ما أجمل الأنا لك يابغداد

ما أجمل الأنا لك يابغداد

الاثنين، 14 يناير 2013

عربى فى بغداد


 عربى فى بغداد


 المتنبي التمثال

 والمتنبي شارع المواجهة الثقافية


 ابراهيم جادالله


 فى ليلة الجمعة التاسع من نوفمبر الماضى عام 2012 التى وعدنا فيها منظموا مؤتمر الترجمة الدولى الثانى ببغداد فى بزيارة شارع المتنبى، صعدت إلى غرفتى بفندق المنصور ميليا أهيىء روحى للقاء الغد الذى تعاقبت عشر سنوات على غيابى عنه
 كنت أتمنى ، وحاولت أن أصفه قبل الطوفان، والحرائق، قبل البطش والقمع والتذويب، قبل التهجير والتنكيل، قبل أن تحترق خيمة الشعر والشعراء، قبل المناسي والمنافي، قبل عولمة التاريخ والدين واللغة والشعر الحكومي، قبل عولمة تحسين الأخلاق والجنس ، قبل كل هذا وذاك، كنت أريد أن أصف "المتنبي" شارعا، ثقافيا، رائعا على مستوى المكان ، أصفه ذاكرة معرفية، وحضارية لبغداد بدءا من أنكيدو مخلصا وإلى المتنبي شهيدا ووصولا إلى الرصافي مشردا والجواهري الراحل في منفاه وحتى السياب غريبا يقف المتنبي النصب، شامخا مرفوع الرأس، قبالة وزارة الحربية، قامة شعرية جمالية وأخلاقية، يقف، ممتشقا سيفه، حاميا، وراءه قاعة ابن النديم المفهرِس ،قائدا جيشا من الشعراء والكتاب والفلاسفة ، المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، وبعد أكثر من ألف عام تجده اليوم يقود هذا الجيش العظيم من الآداب والمعارف والفنون ومن مختلف جنسيات المعمورة، يقوده من داخل فضاء المكتبة الوطنية العراقية قبالة وزارة الحربية تماما!!
 مواجهة حقيقية بين الكلمة والرصاصة بين القصيدة والمدفع بين اللوحة والدبابة مقاربة غريبة من نوعها، ليس على صعيد العراق أو الوطن العربي بل على صعيد العالم.
 غير أن المشهد الأكثر غرابة هو اختيار نصب المتنبي تمثالا في مكان لم يدر في خلد المتنبي، وأيضا لم يرد في خطابه الشعري إطلاقا انه سيكون قبالة ديوان دار الحربية تلك الدار التي اغتيل المتنبي بإحدى آلاتها في النعمانية جنوب بغداد.
 بالقرب من المتنبي قائدا لدار الكتب وقبل أن يحرق جيشه بوحشية قل نظيرها في زمكانية المعمورة، بإمكانك ان تمر على "ساحة الميدان" ساحة تعاقبت عليها حقب ومحن، خطا على أزمنتها وأمكنتها، جنرالات كبار يتبعهم عساكر صغار، موظفون مسلكيون مهندمون بعناية، عمال عاطلون، مشردون، تعساء، مجانين منقطعون، صبايا حالمات، نساء خذلتهن العنوسة، ملكيون متقاعدون مقامرون حاذقون، محتالوا التحف المزيفة حلاقون وحلوانيون، أكاديميون، وفنانون، شعراء "قريضيون وتفعيليون" الرصافي، الزهاوي، الجواهري، البصير، السياب، سليمان العيسى، نازك الملائكة، عاتكة الخزرجي، مظفر النواب، البياتي، لميعة عباس عمارة، حسين مردان، سعدي يوسف، بلند الحيدري، حسب الشيخ جعفر، فاضل العزاوي، فوزي كريم، هاشم شفيق، شاكر لعيبي.. وغيرهم من الشعراء والمثقفين العراقيين والعرب ، وكان لى شرف مشاركات بينهم ثمانينات القرن الماضى.
 كنت أتأمل رصيدا من ذكريات باذخة لساحة الميدان التى تقودك عبر مدخل "شارع الرشيد" الممتد حتى "شارع أبي نواس إلى مقاه، شكلت محطات ثقافية ومعرفية فاعلة وناشطة في ذاكرة الرشيد شارعا، وفي ذاكرة بغداد عاصمة ، وفي ذاكرة الأجيال الأدبية المتعاقبة إبداعا متوهجا
 "الزهاوي" أول المقاهي الثقافية ـ من حيث الترتيب ـ في شارع الرشيد من جهة ساحة الميدان، هدوء مفعم بالكلاسيكية الصارمة يملأ فضاء هذا المقهى، الذي ما زال ماثلا في ركنه الهادىء، مقهى كان يمكن أن يراه الزائرون اليوم مطبعة تجارية لعلب الأحذية والزيت والحلويات وبطاقات التهنئة، والأعراس لولا، كان رواده المخلصين من الملكيين والجمهوريين الوطنيين وشعراءه العموديين من المحامين والقضاة وكتاب العدول وأكاديميي الجامعات قد تداركوا الكارثة في إزاحة المقهى وطمس هويته الأدبية والثقافية خلال عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، معتبرين فكرة الإزاحة إلى ما هو تجاري مسخا، متعمدا لإرث مكاني، ثقافي وحضاري من عمارة الفكر الثقافي العراقي.
 لقد أنقذ أولئك الرواد وعاشقو ومحبو القصيدة الخليلية وفرسانها ومخلصو الزهاوي الشاعرالفيلسوف
 أقول لقد تمكن أولئك المخلصون من إنقاذ المقهى من كارثة الإزاحة والانهيار ، وبعد مرور أكثر من عشرين عاما، على تلك المحاولة الكارثية، مازال الزهاوي المكان محتفيا باستقبال رواده وزائريه ومحبيه ومودعا اياهم بخشوع وهدوء صوفيين مفعمين بعبق التاريخ والشعر ، وما زال الزهاوي الشاعر بـ "سدارته" البغدادية يتطلع من داخل إطاره بالأبيض والأسود بعينين سادرتين، إلى تلك الحركة اليومية الدائبة. لأكثر العواصم في الدنيا مقاهيها الثقافية، مقاه كانت تبدو في أنظارنا كبيرة وعظيمة، لكننا حين نكبر تضيق الأمكنة وتقصر المسافات لنكتشف، بل، نصطدم بالكارثة من جديد، إذ إن جزءا واسعا من جغرافيات المقاهي/ المكثقافية، قد زحفت عليها حداثة العمارة الإسمنتية أوإن البعض منها، تعرض للإزاحة القسرية لدواع وبواعث، مادية أو لدواعي الخوف من اتساع هذه الجغرافيات وما تشكله أنشطتها وفعالياتها من نتائج مقلقة لدواوين السلطة، ولأن هذه الأمكنة أيضا تعبر حدودها الجغرافية لتصبح مثل الضوء بلا حدود.. في شارع الرشيد الموازي للماء ماء كالفضة النقية ماء آت من الشمال ومتحدر نحو الجنوب إنه نهر دجلة، نهر نبيل يمر بالمدن ويشطرها إلى نصفين مليئين بالسحر والجمال العميقين في ذلك الشارع ستجد الزهاوي/ المقهى، الصغير ذا الواجهة الزجاجية شاخصا مهيبا في أحد تقاطعاته المقهى، الذي كان الزهاوي الشاعر يؤمه مع جموره المخلص ومن خلال الواجهة والضوء الحاد لأشعة الشمس اللاهبة في صيف بغداد القاسي كان بإمكانك أن تتطلع إلى وجوه المارة نساء ورجالا يعبرون الطريق بوجوه صامتة قلقة، وما أن يراك "الجايجي"* قد جلست في مكانك يتقدم إليك ببطء ورزانة ليسألك "ماذا تشرب شايا أم حامض"، وإن تأملته وهو يقدم إليك ما طلبت، بأدب واتزان مثيرين لتصوراته جزءا من تاريخ وعمارة المقهى بدونه سيفقد المقهى بعضا من جماله وروعته وهيبته، وهو لا يتوقف عن حركته البطيئة بين زبائنه اليوميين يعرفهم ويعرفونه، علاقة حميمة رائعة تملأ فضاء المقهى حوارات وتنظيرات وسجالات ساخنة في الخطاب الشعري العربي القديم والمعاصر على حد سواء في الفنون والسرديات وفي القضايا الانسانية العامة الاخرى.
 كان الزهاوي/ المقهى فضاءا هادئا وحالما، كائناته قلقة جميلة تدخل فضاءها لتعيش قلقها وجمالها العميقين من خلال تجلياتها الروحية الخاصة، إيماءاتهم ورؤاهم، مسكونة بالحنين إلى الماضي بكل قيمه ومثله المتألقة، لكن دون أن يتقاطعوا مع مثل وقيم الحاضر.
 سلاما أيها المتنبي شاعرا وشاهدا على حرائق بغداد الحضارية..
 سلاما أيها الشعراء والمثقفون العرب الطيبون وأنتم ترون كل ذلك.
 رأيتنى أخطو مخلفا الزهاوي/ المقهى ورائى باتجاه "ساحة الرصافي" وفي منتصف المسافة بينهما، تماما أصل متشوقا إلى مقهى "حسن عجمي" أكثر مقاهى بغداد قربا من روحى ،مقهى عتيق زاه وكان ملتقى لفرسان القصيدة الخليلية ورواد قصيدة التفعيلة على حد سواء إضافة إلى رجالات الآداب والصحافة والفنون الأخرى، مقهى عتيق ومليء بالذكريات، ذكريات المدينة وهي تؤثث عماراتها وتاريخها "قهوة حسن عجمي هي من أنظف مقاهي بغداد وتقع في الحيدرخانة بجوار مدرسة شماش اليهودية من جهة الجنوب ودكان الحاج زبالة بائع الدندرمة من جهة الشمال، ولا عجب فإن حسن عجمي نفسه كان أنيقا في ملبسه ومحترما في تصرفاته وكان يقتطع زاوية المقهى أيام الصيف للتلاميذ ليذاكروا دروسهم ويمنع لعب الطاولة أو الصياح قرب التلاميذ حتى ينتهوا من مذاكرتهم.
 يطل هذا المقهى بذاكرته على شارع الرشيد والذي يفضي من على جانبيه إلى منعزلات ومناس اجتماعية اهترأت بفعل الزمن الذي مر عليها، وعلى مخلوقاتها التي لم تغادر مناسيها والتي قد لا تتصل ببعضها لأيام طويلة، مخلوقات تحيا لمساءاتها اللذيذة الخاصة، وغالبا ما تحاول تبديد وسامتها خاصة عندما تجدها مرمية في مقاه قريبة، كئيبة، وقد تتصل هذه المنعزلات أيام المحن، خاصة ببعضها بقوة وحدها تعيش أو تموت لتكتشف في نهاية الأمر، وهنها، وهي تخطو وئيدة تحت ضوء القمر المنسرب بين شناشيلها المهترئة والمتكئة على بعضها من أعاليها، لكنها تظل مأسورة بمناخاتها البغدادية العذبة، فهي قد أحبتها بدفء وعمق إنسانيين ورأت فيها خلاصها مثلما أحبت الحياة نفسها، تظل تجوس منعزلاتها ومناسيها وتعيد بين مرة وأخرى تشكيل أمكنتها الممتزجة وفق ذائقتها وتصوراتها القيمية البسيطة لمفهوم المكان، مشى العمر ومشت مخلوقات تلك المنعزلات نحو كهولتها وأفولها اأبدي وما زال الرشيد/ الشارع، تلك المسافة المرمية بروية وتأن بين الخطوة الأولى للشارع من جهة "ساحة الميدان" والخطوة الأولى من جهة أخرى شارع "أبي نواس" بعد عبورك تماما من تحت جسر الجمهورية، الآن جسر الملكة عالية قبل أن ينقلب المقلوب بقيادة الجنرال عبدالكريم قاسم على النظام الملكي في العراق إبان الصبيحة التموزية القائظة النهار من عام 1958م.
 وكنت ومازلت واقعا تحت تأثير عشقى لشارع الرشيد الذى يعود تاريخه إلى أيام خليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني حيث "بدأ بتهديم أملاك الفقراء والغائبين ومن لا وارث لهم وأصبح الطريق ممددا واسعا تسلك فيه وسائط النقل بسهولة وسمي "خليل باشا جادة سي" وكانت اللوحة المعدنية المؤشرة على ذلك معلقة على جدار السيد سلطان علي الى ما بعد الخمسينيات من هذا القرن حسب المؤرخين ، وسمي عند أهل بغداد باسم "الجادة العمومية" ثم سمي "الشارع العام" وأخيرا عندما اجتمعت لجنة تسمية الشوارع والمحلات في بغداد اطلق عليه اسم "شارع الرشيد".
 حين كنت أدلف إلى مقهى سيد "حسن عجمي" يأسرنى فضاؤه وحتى لو بدا في نظرى للوهلة الأولى مكانا كلاسيكيا تقليديا فإنه سيبدو غير ذلك عندما كنت أتأمله بعمق من الداخل وخاصة بعد أن أحتسي "استكان" ** الشاي المقدم الي بصمت من "شايشيها" أبي داود المخضرم بإدراكه النظامين الملكي الذي يكن له الاحترام والتقدير والجمهوري الذي بقي متحفظا منه حتى وفاته بعد رحيلى عن بغداد بسنوات قلائل كما أخبرنى أحد الأصدقاء، وما زال هذا المقهى محتفظا بأثاثه من "السماورات" و "النراكيل" و "التخوت الخشبية" و "الحصران"و "استكانات الشاي" يتوزع رواده منكفئين على مساحة ذات سقف عال وتاريخ ثقافي عميق على ثلاث مجموعات غير متجانسة.. مجموعة مدخني "النركيلة" ومجموعة مقامري "سباق الخيول والدومينو" ومجموعة اللأدباء والكتاب والصحفيين والفنانين والكثير من أولئك الاحبة كانوا عراقيين وعربا وفى أحيان أخرى ضبوفا غير عرب ، لم يتناس المقهى "حسن عجمي" جلساتهم وحواراتهم وسجالاتهم ومزاحاتهم العذبة.
 هاتقتنى رائدة جرحيس القادمة من ويسكونسن خصيصا لتلتقى بى على أرض عشقناها معا / زكقهى ترضت أرواحنا فيه ، وقد نزلت ضيفة على بعض من أهلها البقيت بالرمادى . أنى حين نلتقى فى الغد لنذهب لحسن عجمى المقهى الذى عشقنا فعلى أن لا أنزعج نظرت الى فضاء المقهى الموحش والخاوي، وأنى لابد يسائل . أين غادر كل أولئك اللأحبة، وبإمكانى ان أتساءل، أية كارثة حلت في أفق وأبنية وكائنات الرشيد/ شارعا/ وأية كارثة حلت على فضاءات ومخلوقات مقاهيه؟ الرشيد/ شارعا يوازي ضفة دجلة لائذا، ضفة تاريخ وليال طوال وضفة حروب ومآسٍ وغيابات مجهولة، في ذاكرة الرشيد/ مكانا، جنوبيون وشماليون ومنقطعون من مدن عراقية قصية أخرى. اهترأوا من الصعلكة والجوع والقهر والتشرد ومن الوحدة المعذبة في مناسيهم الرطبة في غرف بائسة داخل أبنية مليئة بكائنات أكثر غرابة وألما وبإمكانك أيضا أن أتملي الصمت الإبداعي للرصافي/ الشاعر يقف مطلا على جسر الشهداء.. ومعاهدة بورتسموت التي أشعلت وثبة يناير/ كانون الثاني 1948م ومعركة جسر الشهداء يوم 27 منه إذ سفحت الدماء الزكية يقف في عراء الساحة الصاخبة بعينين مجردتين جاحظتين ووجه نحاسي صامت ومتصدىء، كأنه لم يعد يعنيه أن ينقب في ذاكرة بغداد طقوسها الصوفية، مباهجها، همومها اليومية، مساءاتها العذبة، مقاهيها المكتظة، تاريخها الخاص المميز، يقف هناك في مواجهة دجلة المحزون مثلى عندما شاهدته بعد دقائق من هبوطى على أرض بغداد ،يملؤه الاسى ومرارة الموت، ينظر إلينا بعينين جامدتين أكثر من جمود الحياة نفسها..!!
 بين مقهى "حسن عجمي" ومقهى "البرلمان" أقل من مئتي متر،كنت غالبا ما أذرع تلك المسافة رواحا ومجيئا فى ساعات متأخرة من ليل بغدادى صيفى ، وهومقهى مهيب يقع في ركن من "درابين" شارع الرشيد قبالة "جامع الحيدرخانة"، الجامع الذي ألقى في باحته الشاعر الكبير الراحل الجواهري قصيدته في تأبين أخيه الشهيد جعفر أحد شهداء معركة الجسر ،ويعد هذا المسجد بزخرفته الفنية الرائعة أحد أهم معالم الفنون الإسلامية المتميزة في شارع الرشيد بما يحمله من أداء جمالي فني راقٍ ومعبر سواء على صعيد الزخرفة بأشكالها الهندسية والمعمارية أو على صعيد الخط العربي الذي زين واجهة الجامع من الخارج، خط عربي، أبدعته عبقرية هاشم الخطاط البغدادي.
 في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي تعرض مقهى "البرلمان" لأبشع كارثة إزاحة عرفتها المقاهي الثقافية في العراق، مقهى ثقافي وميدان نزالات شطرنجية كبيرة وملتقى الأدباء والمفكرين والمثقفين من العراقيين والعرب والأجانب ينمسخ إلى محال مهنية متعددة، إسكافي يرمم أحذية الفقراء المعطوبة، ومطعم للوجبات السريعة وقرطاسي حالم بأرباح مجزية سريعة، لقد ضاع مقهى "البرلمان" أيام كنت ببغداد كما قيل لى ،ولم يبق منه شيء سوى ذاكرته الثقافية وشريط من الأسماء الأدبية والفكرية والمعرفية الغائبة، غيابات أبدية، غيابات زنازين وغيابات وراء الحدود إلى مناف قصية إخضاعية كل ذلك اختفى لكن المكان ابتنى لنفسه ذاكرة حية تنشط عبر الأجيال بهدوء وحيوية وجمال وهكذا كانت روعة "البرلمان" كمالحقت بأيامه الأخيرة.
 وهكذا فبدلا من أن تواصل بغداد ازدهارها الذي بدأ في الخمسينيات وتصاعدت وتيرته في السبعينيات انتكست كما انتكست أوضاع سائر مدننا العربية ، وكما انتكست قرى وأهوار العراق أيضا وبدلا من أن يزداد الاقتصاد العراقي تقدما تراجع وصار العراق مكبلا بأعباء الديون والتعويضات وتكاليف ما جرى هدمه ، وبدلا من تعزيز السياحة فقد أكثر معالمها وأسسها وصار العراق تحت الوصاية الدولية (الأمريكية) وبدلا من استمرار الإنتاج والابداع الثقافيين والفنيين والعلميين هاجرت مئات الألوف من المثقفين من أصحاب الكفاءات لتواجه (ما عدا أقلية) مشاكل الغربة ولكن بعيدا عن القمع الشمولي".
 كانت المقاهى/ المكثقافية المتألقة في بغداد وبخاصة في شارع الرشيد، لها مظاهرها الخاصة ، فهي جزء مهم من الحياة العراقية بشكل عام والبغدادية بوجه خاص، وأولئك الذين كانوا قد اعتادوا التردد عليها مثلى يبدو عليهم أنهم كرسوا ساعات من اسابيعهم لها، هي ساعات تواصل اجتماعية وثقافية ومعرفية مع المعارف والأصدقاء من الأدباء والعلماء والمفكرين والفنانين ومحبي الأداب والفنون والمعارف، بل أصبحت هذه المقاهي أشبه بالمعابد الروحية التي تمارس فيها أبهى طقوس العبادة المعرفية والحضارية، كان يأتي أولئك الرواد لكي يستبدلوا ساعات من العمر مقابل لقاءات فكرية وثقافية باحترام واعتزاز شديدين، وغالبا ما يتواعدون بعد منتصف نهار الجمعة من كل أسبوع ـ يوم اللقاءات المنتظم ـ عائدين إلى بيوتاتهم المتفرقة، المتباعدة في حواري ومدن بغداد المترامية.
 وبين مقهى "البرلمان" المطموس الهوية ومدخل البورصة المعرفية والثقافية ـ شارع المتنبي ـ أيضا اقل من مئتي متر "كانت مدرسة الصوفية التي ارتادها جميل صدقي الزهاوي بعد أن يكون خادمه قد ربط حمارته الحساوية البيضاء المسرجة والملجمة جوار المعهد العلمي ويبقى في الجامع مدة ساعتين ثم ينصرف إلى حمارته يركبها بمساعدة خادمه ورجلاه تتدليان وبقدميه الكالة الإيرانية الحرير البيضاء وبعدها شارع الأكمكخانة "المتنبي" والأكمك باللغة التركية تعني الخبر
 كان المتنبي" شارعا ضجيجه جميلا وأليفا، ولا يشبهه أي ضجيج آخر، كائناته هادئة وجميلة صامتة، يتوافده عراقيون وعرب وأجانب غرباء، يبحثون عن طائر المعرفة المحلق دائما يمتلىء الشارع ـ احين تكون في داخله ـ من جهتيه: الكتاب والكتاب وأبنية تضم تاريخها إلى واجهتها العتيقة الصامتة بقوة وحنين، حياة وتاريخ، حياة تشع من العيون والأبنية والإيماءات من الكتب واللوحات وكاميرات التصوير. يأتي مخلوقات البورصة الأسبوعيون، فرادي وجماعات، يتجولون متطلعين بعيون فاحصة، شائهة إلى تلك العتبات النصية ـ أعني العناوين باعتبارها أحد عناصر تلك العتبات ـ متأرصفة بانتظام على جهتي الشارع يتجمعون أمام منتظمات رائعة من العتبات خلف واجهات زجاجية، نظيفة ولامعة، يتزاحمون، منحنين فوق كتب الرصيف برؤوس متلاقية وجباه مضاءة وعيون باسمة وهم يصيخون السمع بصوت "نعيم الشطري" الصادح، ذلك الجنوبي الرائع، عراب بورصة المتنبي وغالبا ما يكون صوته أعلى من جلبة تلك المخلوقات، يعلو رنين صوته، معلنا، افتتاح مزاده الأسبوعي، مزاد للدوريات والمرجعيات والمصادر في مختلف أنواع الآداب والفنون والعلوم!! عناوين مغرية بأسعار أكثر إغراء ـ
 كان في ذاكرة شارع المتنبي رجلان ظريفان هما حسين محمود الفلفلي وأحمد كاظم ـ كانا يعرضان مجموعة من الكتب المستعملة في المزاد العلني ـ تمتلىء المساحة الصغيرة قبالة مكتبته ـ مكتبة الشطري للمزاد العلني ـ بالمشترين والفضوليين المتطلعين إليه برؤوس مشرئبة ، كان أحد المشاهد العجيبة والغريبة ، مشهد يستحق بجدارة عناية الملاحظة والتأمل والتوثيق السردي المدون. كنت ترى مجالسي الكتاب وندماءه المخلصين ـ خير جليس في الزمان ـ يفارقون هذا النديم الجميل وهم مجبرون على تلك المفارقة، وبين أولئك نسبة كبيرة من الأدباء والكتاب والفنانين، يفارقونه بيعا أو مقايضة غير عادلة فيما بعد الاحتلال سدا لرمق الحياة , فقد واجه مثقفو العراق وبقية الشرائح الاجتماعية الأخرى ما لم يواجهه أي شعب في الدنيا، واجهوا حصارين مدمرين، قاسيين، قذرين ـ استثني منهم كتاب وأدباء وفناني ومنتفعي الزي الزيتوني ذوي الحظوات والعطايا والهبات والمنح اليومية والأسبوعية والشهرية والمناسباتية المعلنة وغير المعلنة ، وقد وقع لى الكثبر من بعضهم لولا رفقة مخلصة كان تحمينى ـ حصار القمع والقهر والخوف ولقمة العيش من الداخل وحصارا شاملا لا مثيل له في تاريخ البشرية العاقلة, من الخارج، خارج لا إنسانية العولمة ونظامها الجديد.
 بعد التجوال الروحى وأنا مستلق على سريرى بفندق المنصور ميليا منتظرا هاتفا من صديقتى رائدة جرجيس لتأكيد موعد الغد ، وبعد التبضع المبتغى واللقاءات العابرة التى أتهيأ لها، وجدتنى مستريحا في (مقهى الشابندر) ومستمتعا بمشاهدة معرض فوتوغرافي دائما لمدينة بغداد القديمة ـ معروضا من خلال جدران ذلك المقهى الرائع فقد كانت بعض المقاهي في بغداد خلال العقود الأولى من القرن المنصرم أشبه ما تكون بالمنشآت الثقافية أو مدارس للموسيقى والغناء وأصول المقام العراقي الأصيل حيث كان يتردد عليها، عباقرة الغناء والطرب وموهوبو السرد الشفاهي ومغرمو المقام العراقي كما هو الحال في (مقهى المميز) آنذاك المطل على دجلة، قريبا من جسر الشهداء والملاصق لجدار "جامع الأصفية" الذي تم التصدي من منارته لوثبة الطلاب عام 1948كما يقول المؤرخون .
 ولكن هاتف رائدة يصلنى عبر وسيط مشترك على رقمه الخاص , بؤكج أن لامناص من من إلغاء موعد الغد الجمعة , حيث لامكان لأمن متاح ، فى ذات الأمر رفضت اللجنة الأمنية المكلفة بمرافقة أعضاء الوفود فى المؤتمر عدم السماح لى بالخروج ، حتى وإن تعهدت بصوت باك مشروخ ، أن حياتى أكثر أمانا فى دروب بغداد لأن رائحة روحى ماتزال عالقة بها
 حل عصر الجمعة وأنا زاهج فى الطام والشراب والنوم ، وكنت أرى الهدوء المهيب يشيع في شارع المتنبي المنفتح من نهايته على تقاطعات متعرجة، منحدرة من بداياتها، نحو نهر دجلة الذي تفصله عنها أبنية ومساجد تاريخية لها طعمها الجمالي الخاص، هدوء في نهاية اليوم يلتجىء إلى ليل شارع المتنبي الموحش.،والمتنبي التمثال الذى كان مائلاً برأسه في ساحة البلاط ولكنه اليوم بلا راس ، وكنت أشعر برأسى تطير نحوه
 فرحماك بغداد
 سأعود إليك قريبا موقنا أن صدرك مايزال مستعدا لدخولى لأعماقه
 _________________________



 الهوامش:
 * تسمية تطلق على النادل الذي يقدم الشاي لزبائنه في المقاهي العراقية
 ** قدح زجاجي صغير انيق الصنع يقدم به الشاي في المقاهي والبيوت العراقية الى اليوم

الخميس، 27 سبتمبر 2012

الأب الذى إسمه جمال عبد الناصر



أبينا استقالته، ودائما نأبى رحيله





ابراهيم جادالله

 
بعد رحيل جمال عبد الناصر مازلنا  ننهار بمجرد تذكره . فإلى جانب المحطات الخمس الثابتة ، والممتدة على مدار السنة، وهى محطات زمنية ودينية إحداها ذكرى ثورة يوليو ، وإلى جانب الجوائز والأوسمة ، هناك من التبدلات والأحداث الخطيرة دائما، ما هو كفيل باستحضاره... هذا من دون مانتحدث عن مقلديه الكبار والصغار، العسكرين منهم والمدنيين ، الذين استنسخوه وقالوا بمواصلة دربه أو أسلوبه.
فيوم أطل عبدالناصر علينا ، كان بهيا وصاحب حظ خارق فى الزعامة: أسعفه عصره، فتطابق مع طبائعه. ومن العصر والطبائع استمد كاريزماه ، فرأينا فى عينه التماعة القوة والإقتناع مما جعل من حبه أمرا مرغوبا ، ومن توسل وجهه رجاء مديدا.
وبعيد طلته الأولى ، استقر عبد الناصر فى وجداننا حاكما صادقا، مهموما، يضحى ويسهر ويرعى، لايبتغى غرضا لنفسه، يتلقى شخصيا شكاوى البسطاء وتظلماتهم ، يتابعها ويحلها بقرار. فكان هؤلاء ينتظرونه على قارعة الطريق، ليسلموه واحدة من رسائل الشكوى،. فهم كانوا يعتقدون، عن حق ربما، أنه مهموم بمهموم،. لذلك فالمعارض الذى عارضه دخل السجن، وخرج ، وخرج واقعا فى حبه. والأقل بساطة من هؤلاء السجناء عين وزيرا فى إحدى حكوماته، أو مديرا لأحد مؤسساته.
هكذا مر مايقارب العقدين وعبدالناصر الحاكم يرعى ويحنو ثم يقسو ويبعد . نحبه كما يحب الأب: يمكنه أن يفعل بنا ما يشاء، لكنه يبقى والدنا، لانستطيع غير الولاء له، هو صاحب الرحمة والقرار فى آن.
وبعدما خاب ظننا فى حزيران(يونيو) 1967 ، كان شعوره بالأبوة قد خفت ، فقدم فى لحظة تشبه الضعف استقالته، معلنا تخليه عن رعايته لنا وتركنا لمصيرنا.
وربما كانت لحظة الضعف هذه فرصتنا الوحيدة لنجنب أنفسنا ما سوف نحرم منه نهائيا: أى تنحى أو استقالة رئيسنا، أو تسليمه السلطة سلميا لغيره، فى حياته، وليس بعد وفاته. لكننا أبينا وفاء له وخوفا ربما من الرشد ومن مسئووليات الحرية. فخرجنا بالآلاف فى ليالى يونية1967 الدامسة ، نتوسله أن يبقى ، معلنين بوضوح خوفنا من اليتم والتخلى. رفضنا استقالته الناتجة عن إخفاقه الإضطرارى ، فاستجاب هو، وإن بقى مكسورا، ينقصه وهج الفتوة السابق.
لكنه كان حيا، وما من أب ولا رئيس لنا سواه ...
منذ تلك اللحظة صلبنا نظاما فى التداول السياسى غدا ثابتا ومستقرا: لانعرف بموجب رئيسا عاد إلى صفوف المواطنة العادية ، لانعرف رئيسا إلى مدى الحياة... إنهم كالآباء باقون بحكم الطبيعة، وليس بقانون الاجتماع.
نحن مسئولون عن تصليب نظام كهذا، نظام الرئاسة الأبوية التى لا فكاك منها إلا بعد الموت، ونحن بالتالى مسئولون عن انعكاس هذا النظام على رؤيتنا لعبد الناصر وطريقة إحساسنا به .
فنحن فى ذكراه، المكررة دوما، نقف بازاء أب _رئيس متوف، ضد أب أتى بعده ،أوآخر مازال على قيد الحياة ، لكننا لم نعد نقدر عليه منذ أن تخلينا عن تلك القدرة فى إحدى ليالى حريزان الدامسة، والتى كان لها ظرفها ،ولم تكن تليق إلا برجل كعبد الناصر ، أو بزعيم غيره ، مهما بدا منكسرا وضعيفا .
ففى مديح الناصرية ، هناك غالبا ما هو مضمر ضد الرئاسة الراهنة، وعلنى صريح ضد الذيول التى سبقتها . هناك مديح يشبه الشكوى المرفوعة إلى الأب المؤسس ضد لأب الراهن. فى هذا المديح تذكر طباعه وأحلامه ومشروعه فى ما يشبه حلقات الذكر الصوفية ... احياء لصاحب الطريقة التى لم تؤثر السنون ، ولن تؤثر فى صحتها وإنما زادتها توكيدا.
هكذا تحضر وتستقبل الأزمات التى نعرفها جميعنا، وكذلك العبارات والطقوس واللهجات. وكل هذه ليست من صنيع ناصريين فحسب، بل يمكن أيا من الوجوه أو الشخصيات العامة رعايتها أو الإفصاح عنها فى المنابر المخصصة لها: تطل علينا هذه الشخصيات وقد سحرت نفسها عند كلامها عنه، فتلبستها شخصيته . بعدما كانت ممعنة فى نقضه أو نسيانه.
وقد يدوم هذا التلبس لحظة أو العمر كله، بحسب كل شخصية . لكنه فى الحالين، يشبه واضع اقنعة النزاهة والتضحية والقوة على الوجوه كلها : أقنعة، هى كالتبرك بالأضرحة ، تغفر خطايا حاملها ، فيتطهر هو بإذاعة محاسن البطل
النبيل النظيف الشجاع .
ولدى غير الباحثين عن غفران ، بل دائما عن إلهام وأبوة ، يبدو تذكر عبدالناصر حنينا موجعا ليس إلا . فكم من امرىء قال له أو لنفسه إنه يحب عبدالناصر ،بالرغم من((تحفظاته)) ، وكم من امرىء يصف زمان عبدالناصرب((الجميل)) ، ويبكى ، أو يكاد، لدى سماع أغانيه الوطنية ويتلذذ بعذاب الفقدان فيغنى مع عبدالحليم وأم كلثوم للوطن والكرامة والحرية ، والغصة تضيق خناقه.
لكن المناسبة تستعيد حماسا بات ينقصه فى حياته العادية، بعيدا عن هذه الأغانى: حماسا غريبا وسط الخراب المديد، حماسا تعلم أنه لم يبق من نسخته الأصلية غير كابوس الحاضر...أو((الواقع)) الذى يتسم دائما ب((البشاعة)) .
هكذا تضاءل قدرة العقل على التدبير وتختلط الأمور، لتعود فتمر ذكرى عبدالناصر عند محبيه ، من دون تبدل يذكر، غير الاستجارة به بعيد ذلك بشهرين أو ثلاثة.
هكذا تتغذى قلة معرفتنا بعد الناصر، قلة موضوعيتنا حياله، بأشياء أخرى موزعة هنا وهناك: فيسمى المدعى العام((اشتراكيا)) ويوصف الفن الكمى الهابط ب((الجماهيرى)) وتقسم فئات المرشحين للانتخابات التشريعية إلى ((عمال))و((فلاحين))و((فئات))، وتزدهر شعبية بعض كبار المسئولون لمجرد إحيائهم اللهجة الناصرية . ثم هناك الحب الديماغوجى للشعب ، تتخلله فكرة ما للعدالة الاجتماعية لا ترى تجسيدا لها فى غير ((البقشيش)).
كلها إشارات موزعة هنا وهناك ، تحث على ركود العقل فى محاولته فهم ما حصل تماما حوله ، أو ما هو حاصل الآن...نوع من الضبابية والتشوش والكثير من المتاهات ترعاها الشرعية العسكرية التى أسسها عبدالناصر. لذلك لادعوة عنه ولا عنها مهما تبدلت وظائف الدولة التى قامت على أساسها.
لماذا نحتاج إلى الموضوعية فى معرفتنا بعبد الناصر وتصورنا له؟ لكى نصحح الخطأ التاريخى الذى ارتكبناه تجاه أنفسنا عندما طالبناه بالعودة عن التنحى إثر الهزيمة التى جرنا إليها ، نحن أولاده، ولسنا أولاد غيره فى الحقيقة ، وهو الخطأ الذى مانزال حتى الآن ندفع ثمنه، والذى يحصرنا فى حلقات كلها مغلقة، من التساؤل حول وجودنا فى هذا العالم.
كيف نخرج الى هذه الموضوعية؟
بأن نصدق أن عبدالناصر مات: كأب على الأقل، طالما أننا لا نستطيع خلعه من الرئاسة وهو ميت. فهو لا يتفوق على آبائنا بشىء. إنه جزء من التاريخ، أو بالأحرى من عصر، نحتاج أن نفهمه لا أن نقدسه ، وإلا أضفنا إلى وجداننا عصرا((ذهبيا)) آخر نخاله عونا لنا على أيامنا السوداء، فيما هو ليس سوى فخ يجرنا إلى التأتأة والتعلثم ونصف الإدراك، فيمنعنا من بلوغ الرشد . والرشد مرحلة من عمرنا السياسى نحتاج إلى أن نتفوق عليها . إذ بات علينا أن نفهم أننا وحيدون فى هذا العالم : لا صديق لنا ولا أب ولا معسكرات...

الاثنين، 20 أغسطس 2012

ياااا أنت

**
كيف لي أن انسج قصيدة لعينيك؟
وهل تكفي الثمانية و عشرين حرفا ؟!
يالَك..و يالَعجز لغتي!
يالَك..
من أين لي بلغة تُليق بك؟!
______________________________________

حالتان

حالتان

1

_ حالة من حذرمملوء بالتوجس كنت أعيشها قبل 25 يناير . كنت لا أأتمن السكون الليلى ، وأى دبيب خارج دارى كنت أحسبه هبة بوليسية عليها لإلقاء القبض على ، وبأية تهمة ، ولعل أبرزها التحريض أو سب النظام . حتى لو كان انتقادا فى سياق معرفى ، وكنت احتطت قد كثيرا لأمر كهذا لتكراره، فصنعت سلما متحركا من الطابق العلوى يوصلنى لبيت الأسرة الكبير الذى يقع خلف دارى ، ومن خلاله تكون الفرصة مهيأة للفرار إلى حوارى وأزقة أتقن التسلل منها ليلا حين يأتون ...

2
_
لم يكن غيابهم عن الحياة ومسارح الأحداث بعد هزيمتهم الكبرى عقب موقعة الجمل سببا فى شعور ى بالأمن فقط ، فقد شرعت حتى قبل رحيل المخلوع بتحطيم السلم ، مكتفيا بإغلاق الباب الرئسيى جيدا ، وإحكامه ، برغم بعض العتب الذاتى والسؤال الذى ماكان يتردد داخلى دائما عن :: لما أبالغ فى التأمين وشباب خارج الدار والشوارع المحيطة ساهرون يسمرون فرحون يشيعون الأمان والدفء. لكنها فوبيا الحذر التى لم أستطع انتزاعها بيسر من داخلى . 


* حالة مباغتة

هبطت صغرى بناتى الليلة من الطابق العلوى حيث يقمن .. إلى الطابق الأسفل حيث أعيش وسط تلال من كتب وأحلام ورؤى ، وسألتنى إن كنت أغلقت الباب الخارجى للبيت جيدا أوأحكمت الإغلاق . عجبت لمبادرتها التى كانت قد نسيتها شهورا . حين كانت تبهنى لهكذا أمر كل ليلة , لم تمهلنى لسؤالها عن تذكرها لهذا ا لأمر بعد انقطاع ، فبادرتنى وهى تصعد عائدة :_ ألا ترى أن حذرك القديم لابد أن يعود؟ كنت لحظتها أستمع لصوت تلفاز يتناهى إلى من غرفة البنات ، ومذيع يعلن سيطرة الإخوان والسلفيين على غالبية مقاعد البرلمان فى الجولة الأولى 

__________________________________________________________________________

السبت، 18 فبراير 2012



إنزياح

نادته من خلف نافذة الفضة من عتمة تقبض على روحه وجسده المتوفز

: _ أما زلت تهدينى ، وتبث اشتياقا لوجه لا تملكه؟

ضغط بطرف إبهامه على بروز صغير ناعم أيمن صدره من أعلى فلم يستجب له من ضوء ، وضغط على أيسرهما فارتعشت المرآة .

كانت هى تواجهه كطيف تثبًت من حضوره ، فتلامست الحلمات الأربع ، وتبودلت الارتعاشات ، شعر باتساع مابين حلمتى صدره كاتساع العمر والكون وأوانى طعامه الفارغة وثيابه التى بليت وعرقه الذى تملح على الوجه والجسد وطعم الحرقة فى حلقه وكل أشياءه تناجزه ، فأرسل بريق العينين الجائعتين اللاهثتين لطيفها المتشبث بالسكون والشبق ، وعاودت هى إشعال خلاياها أمام اندياحه المتواصل المتسارع .

:_ أسعفينى بنزفك فقد سئمت الجمود والانزياح .

هكذا صرخ بالتياع وهو يغلق نافذة الفضة

_____________________________________________________


الاثنين، 14 نوفمبر 2011

<

مثقف ثورة
أم ثورة مثقف؟
خيانة ، واحتواء ، واستشهاد




ابراهيم جادالله


( ما دمت قد خرّبت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم ؛ فهي خراب .. اينما حللت )

قسطنطين كافافي


يامُنْشِدّة الَّلحْن السَّفِيـه .. ....هَلْ لَوْ سَأَلْتِكْ : تِنْطَقى ؟ ............. والَّلا انْتى عَشـَّاقِةْ خَرَسْ ؟ ..................مَعْ إنْ ليكى لْســَان بطُول النِّيــل .. .................................... طويــــــــــــــــــــــــــــل .......................................................... بَسْ الحَرِسْ !!

( حسنين السيد حسنين )

*******
حين اقتحم مجلسى وسط بناتى صوت عبد الناصر العوينى الحامل بحة تونسية محببة وهو يشوح بيديه فى شارع بورقيبة الشهير الذى أحفظ كل تفاصيله ، وكأنه يخلع صوته من روحه بحركات يديه المطوحتين : - بن على هرب . بن على هرب ، الحرية للتوانسة ، المجد للشهدا ثم بعدها بقليل ونحن متحلقون حول بعضنا بصمت ومتابعة مندهشة ، تعيد قناة الجزيرة مرة أخرى فى تتراتها المتكررة صورة وصوت أحمد الحفناوى ، الذى أعرفه منذ سنوات ، وحفظت أمر معرفتى ولقائى به فى تونس منذ سنوات ، لاعتقادى أن أحدا لن يلقى لى بالا ، جاء الحفناوى بصوته الذى رطب تشققات أرواحنا وغصة الصوت التى أنطقت كل كائن عربى . وهو يردد بدموع تاريخية: _ هرمنا . هرمنا . من أجل هذه اللحظة التاريخية.
راقبت الحالة بتلصص على وجوه بناتى وزوجتى ورجعت إلى نفسى فوجدت مايشبه التوحد فى الدموع اللامعة فى المقل ، والكلمات المتحشرجة بفرح وزهو فى الروح المنتشية ، والسكون الذى غطانا جميعا بعد صخب المشاهدات المتلاحقة عبر شاشات الفضائيات الغير عربية عدا الجزيرة .
كنت صبيحة هذا النهار أقف أمام بيتى حائرا لا أدرى إلى أين
أأنطلق لأقضى نهارى بعد ساعتين فقط من نوم متقطع ، هل إلى ميدان أم كلثوم لألتقى بعضا من مثقفى مدينتى الذين يحتسون الشاى والأرجيلة والتنظير والتحليل والقراءات المستقبلية التى غالبا ما كانت تأتى الأحداث بعد الجلسة مباشرة مغايرة تماما لمادار من أحاديث ؟ أم إلى مبنى المحافظة حيث تلتقى الجماعات والإئتلافات الزاحفة من كل مكان بالمنصورة المدينة ، ويغذيها الزاحفون إليها من قرى ومدن قريبة وبعيدة؟ ، أم إلى تلك الجزيرة التى تتوسط شارعين حيث يتراص على أرصفتها الرخامية كثير من مسنين ومسنات وفتيات وفتية ، وقد يكون بين المسنين رفيق عمرٍٍٍٍِ. أوهمً . أو كتابة ؟لا أعرف إلى أين سأذهب ، ولم يعدنى من شرودى وملاحقات الصور إلا توقف سيارة لشقيق زوجتى أمامى فجأة ، وبلا أية عبارات استفهامية عن المبتغى كنت بجواره فوق مقعد فارغ ،
: ها أأ ماهى الأخبار أبا ماجد ؟ هل عادت ثقتك فى المصريين ، أم مازلت ترى أمامنا قرنا حتى نصل للحالة التونسية ؟
لم يسقط فى يدى ، لأنى تنبهت فورا لمقصده ، فقد كنا قبل أيام نقف لحظات الغروب أمام بيتى وهو يسألنى باليومين الأولين لثورة الأشقاء التوانسة .
::_ هل يمكن أن تخرج الجماهير بمصر كما خرجت بتونس؟
أتذكر أنى لحظتها قلت له إجابة شبه قاطعة .
:: _ أمامنا مائة عام حتى نصل للحالة التونسية.
ولكنه باغتنى بسؤال كالنصل وهو يقود سيارته بيدين معروقتين .
:: _ طيب . حين تقول أنت ذلك برائحة محبطة ،وأنت من أنت ، سنوات اغتراب وإبعاد واعتقالات وحصار من أجل موقف ارتضيته مع الحقيقة وضد الظلم ، فما عسانا نحن قوله ؟
تعود بى الذاكرة وأنا بجواره لبداية سبعينات القرن الماضى ، أربع حقب من الزمن كانت البداية الفعلية للوعى الحقيقى المرتبط بالممارسة الفاعلة ،والتى كانت تؤتى بعض الثمار ، وتعطب فيها ثمار أخرى
((ماذا يحدث لو لم يصبح الخبز طعاما؟
أو ماتت الكلمة فى كل فم؟
أو اندثر بريق برونزى فى ظلام ليل؟
لا شىءغير أن ينقلب الميزان
وأن تتقطع شرايين القلب الدافق بالحرية))
كلام برغم عفويته ، ومرورمايقرب من حقب أربع عليه ، واستعادته محفوفة باتهام بعدم التجدد ، ولكن والحق يقال حين أستدعيت هذه السطور التى كتبتها فى يافطات اعلانات ترشحى لاتحاد الطلاب حينها ،ـ واستعنت بها وانا اقص ملامح تلك الفترة فى الجزء الثانى من روايتى الثلاثية البغدادية ، وجدت ثمة تطابقا مايزال ماثلا أربعون عاما أتت بكامل تفاصيلها على جناحين من زهو وبلاهة أيضا ، لمعت فيها صور لافتات الدعاية الإنتخابية لاتحاد الطلاب بالجامعة بداية سبعينات القرن القرن الماضى ، وكانت عقب الاستعفاء الذى مارسه السادات على معارضيه فيما سموا بمراكز القوى ، وبوادرالتطهير العرقى تلوح فى الأفق لكل من يحمل تبنيا للمشروع الناصرى . او رؤية يسارية الفهم والاعتقاد ، وكان هذا الكلام على الرغم من بساطته حاضرا معى بجزئيات تداعيات الأحداث التى صارت جراءه، وحين مزق من بيد رجال أمن الجامعة ، واستدعيت لمكتب العميد للتحذير والترهيب خرجت لأعيد صياغة ماقاله محمود درويش بذكر العميد بدلا من السلطان فى قصيدة شهيرة كنت أحفظها جيدا من كتاب صغير الحجم لرجل احتضننى بمقر إقامته بعمان الأردنية بعد ذلك بسنوات قليلة ،بعد عملية طرد شاملة لكثير من مثقفى مصر شبانا وشيوخا أى بعد توقيع المعاهدة المشؤومة مع العدو التاريخى الصهيونى
من النيل إلى نهر الفرات !
أسجنوا هذي القصيدة
غرفة التوقيف
خير من نشيد.. و جريدة
أخبروا السلطان،
أن الريح لا تجرحها ضربة سيف
و غيوم الصيف لا تسقي على جدرانه أعشاب صيف
و ملايين من الأشجار
تخضر على راحة حرف !
وكان ماكان ، وياسادة ياكرام ، عليكم بالرجوع إلى تاريخ الحركة الطلابية ووقائع نضالاتها بعد رحيل عبد الناصر حتى انقضاء عهد المؤمن واغتياله ، لتدخل الحركة الطلابية منعطفا أكثر تهميشا وتمييعا فى عهد المخلوع بدءا من حورس عبد المنعم عمارة ، وانتهاءا بلجان الرحلات والكشافة التى أشرف عليها الحزب الوطنى وأمن الدولة بالجامعة وكيف كان يشكل ويتشكل دور للمثقف فى إطارها وفى إطار الواقع المصرى بشكل عام أقول هذا ويرن فى أذنى ظهيرة 25 ينايرصوت ناشطة مصرية شهيرة تربطنى علاقة عمل ونفى خارج مصر مع والدتها ، حيث جاء الحوار قصيرا وحاسما
--- عمو إنت فين ؟
___ فى البيت
___ والبنات ؟
راحوا المظاهرات فى المنصورة
___ وتفتكر حضرتك موش خاين لهم ولنفسك ولأربعين سنة بتعافر فيها عشان اللحظة دى؟ وأغلقت الهاتفوأنا وبعصاى التى أتوكأ عليها بعد نصف ساعة كنت بينهم ، أطل وأتامل ويرعد صوتى بصوتهم ، ولكنى كنت خجلا ، خجلا حقا ، وفرحا أيضا ، ولكن بمرارة فخلال العشرين عامًا الماضية ، صور لنا البعض أنه ليس هناك ما يسمي بالمثقف الطليعي الملتحم بقضايا وطنه حتي صدقنا هذا، ولم يعد المثقف هو الغطاء الذهبي كانسان يقود جماعته لأنه أكثر جرأة في التعبير عنها، وكان بعض من يزيحون دور المثقف يتبنون فكر ما بعد الحداثةإنها الفكرة المخيفة التي رافقها مؤسسة ثقافية نجحت في تحويل المثقفين من طليعة لأبناء نظام فممع انهيار أنظمة أبوية علي مستوي العالم كله مثل الاتحاد السوفيتي، اختار نوع من المثقفين النظام القائم كبديل سلطوي، وظهر مثقفون قادرين علي إقناع الآخرين عبر أفكار مسمومة والإتيان بهم لداخل المؤسسة وتدجينهم، وليس أدل من عبارات فاروق حسني في هذا الإطار عن أنه لا يحتاج أكثر من ملايين لشراء المثقفين وقد لاحظت أنه طوال عصر مبارك لم يسجن مثقف لأنهم دخلوا "الحظيرة"
بالفعل كما كان يقول فاروق حسني. ومشاركة المثقفين في الثورة أتت خجولة. لأن الثورة فاجأتنا جميعا، كما سبق وقلت فى البداية ، وفاجأت المثقفين يتامي الأنظمة الأبوية، فأتت المشاركة باهتة حتي أنني تمنيت ألا يشارك المثقفون حتي لا يفسدوا الثورة بما تعودوا عليه خلال السنوات الماضية، فإذا لاحظنا سنجدهم قد أقبلوا علي الثورة في أيامها الأخيرة وكانوا من أدوات القمع ومتصورين أنهم صوت العقل، كان البعض منهم يقول للشباب كفي ما تحقق.فهل كان المثقف معذورا؟،
إذا كان قد فسد، فكلنا فسدنا، فما فعله نظام مبارك لم يفعله نظام عبد الناصر ولا حتى السادات، فقد نجح هذا النظام الغير مثقف في إفساد الجميع ، وكان المثقفون في العربة الأولي من قطار الفساد.والمثقف الذى لم يرتبط بفئة معينة في الثورة قرر أن يكون مواطنا عاديا ليصبح عضوا عاملا كفرد وليس كنخبة، وإرادته وردود فعله المباشرة لما يحدث هي العناصر التي قادت مسيرته مثل باقي المتظاهرين وليس رؤية فكرية واضحة.بعض المثقفين أصيبوا بحالة من الارتباك وعدم الاستيعاب لما يحدث، كأنه شعور غريب أمام العالم الذي يتكون من جديد، عالم يغير أفكاره وإنتاجه الابداعي ، والأمر تحتاج إلي وقت حتي نتأمل ما حدث وحتي نعثر علي إجابات وتتضح الصورة كاملة.أيضا جميع فئات الشعب فوجئوا بهذة الثورة ، أي ان المثقف لم يكن متنبئا بالأمر او مشاركا في البدايات .
في مرحلة ما بعد البداية اتسعت دائرة الاتجاهات الوطنية والشعبية فلحق عدد كبير من المثقفين بالركب وطرحوا سؤالا ماذا علي المثقف ان يفعل في هذه الثورة؟وفي إطار الإجابة علي هذا السؤال قام بعض المثقفين بالتظاهر في ميدان التحريروميادين أخرى بمدن مصر مثلما فعلنا، ومنهم من كان جالسا في المقاهي و المؤسسات الثقافية المستقلة حتي يقوم باعلان مطالبهم الخاصة مثل تعيين وزير ثقافة يليق بمصر ويكون بعيدا عن الفساد الذي انتشر في عهد فاروق حسني ، ثم كان اعتراض البعض علي تعيين محمد الصاوي كوزير للثقافة وأيضا المطالبة بإعادة هيكلة المجلس الأعلي للثقافة والهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة وغير ذلك.وقد بدأ تشكل موقف جماعي في إطار الجماعة الثقافية فيما بعد عقب هدوء الأمور نسبيا، وتحديدا بعد أن انسحبت الشرطة من مواجهة المتظاهرين، وعقب تمكن الجميع من التقاط الأنفاس التي كادت تنقطع بفعل قنابل الغاز!.
فكانت مشاركة المثقفين والكتاب الشباب في الثورة بدوافع شخصية بحتة تخص مواقفهم الوطنية كل علي حدة. وأن كان لأغلب الكتاب الشباب مواقفهم الرافضة للحكم الشمولي للنظام السابق في إطار موقف الجماعة الثقافية بشكل عام ولكن قرار النزول للشارع هذه المرة لم يكن في الإطار نفسه.
كل مثقف نزل الشارع، خصوصا في الأيام الأولي للثورة، كان ملتزمًا بموقف فردي.هل شكَل المثقف الفاعل وعي الشبابقد يرى بعضنا ، بفاعلية المثقف، ووفقا لمقولة أن المثقف المصري ليس جماعة واحدة بل متعددا والمتأمل حال هذا المثقف قبل 25يناير يراه إما مثقف متعاون بالكامل مع السلطة والنظام سواء أكان سياسيا أو ثقافيا، ومثقف معارض غير فاعل، يكتب تعبيرا عن أحزاب مهترئة، ومثقف صاحب موقف و تشغله أسئلة، وهذا الأخير كان علي مدي سنوات يلاحق بالمصادرة والمنع، هذا المثقف هو من انتقلت رسالته لهؤلاء الشباب وشارك في وسائطهم الحديثة ليكون فاعلا في تكوين وعيهم وهو من أمضي معهم 18 يوما في ميادبن التحرير يكتب ويدعم ويهتف ويحلم بوطن جديد، وهو الذي مارس دورا إيجابيا مع شباب الثورة، هذا المثقف الآن بعد 25 يناير يمتلك رؤيته وأسئلته ولن يفرط في مكاسب ما جري.إن الثورة لها رصيد فكري ودوافع كون وعي الشباب، هذا الرصيد الفكري شارك في تكوينه المثقف العضوي وليس المثقف المستأنس، فتجمعات مثل 6 أبريل او كلنا خالد سعيد وكفاية بدأت من عام 2006 أثرت علي وعي الناس بالمشاكل والمعتصمين أمام مجلس الشعب الذين حركوا الضمائر، وكذلك غطرسة السلطة واستعلائها علي المواطن والتفاوت الشديد بين الأجور وانعدام العدالة الإجتماعية.
وإن كان كارل ماركس قال إن العالم لن يتغير بالفلاحين والعمال لكن بأدوات الانتاج، فاليوم المجتمع التكنولوجي وثورة الفضاء الافتراضي هي الأدوات التي حركت الثورة، يمكن القول إن الثقافة التي حركت الثورة اعتمدت علي آليات جديدة ومراحل عمرية شابة، الكثير من الشباب لديهم العمق والفكر ومعتمدين علي ثقافة من نوع مختلف.دور المثقف لا تأتي نتائجه سريعا فدوره الأساسي إنتاج أفكار تعين المجتمع علي تجاوز مشكلاته المعرفية والقيمية إلي آخره، إن كثيرا من المثقفين لم ينتجوا أفكارا طوال عصر مبارك،لأن الاستبداد السياسي همش المثقف كثيرا وأدي إلي أن لعب دور التخديم علي الدولة ونظام الحكم وتحول المثقف لموظف، في ظل محدودية المنابر الثقافية فالمجلات الثقافية القليلة يهيمن عليها بعض الأفراد ولا يراها أحد. ولكن بعض المثقفين أدوا هذا الدور التنويري مثل نصر حامد أبو زيد وحسن حنفى ومحمود اسماعيل وخليل عبد الكريم وغيرهم، ونتائج أفكارهم وصلت لأجيال مختلفة.إن إسهام المثقف في الثورة كان إسهاما فكريا في الأساس، وهو بهذا المعني إسهام غير مباشر.
فالدور الرئيسي للمثقف هو رؤية الغائب فيما هو حاضر وتشخيص الناقص فيما هو قائم ولفت النظر لعيوب ما يعتقده عموم الناس أمراً طبيعياً. بمعني آخر إن دورالمثقف هو الدعوة لأشكال أخري من الكون والفعل. وهذه كلها أدوار تخريبية للنظم القائمة لأنها أدوار تدعو دائماً للمراجعة والنقد والتغيير. المثقف إذن هو من يلقي بذور الثورة أينما ذهب، ولهذا تخشاه الأنظمة القمعية.
وأنا أرى أن المثقف الذي يحرض مباشرة علي الثورة أو الذي يقود المظاهرات يلعب دور السياسي ويمارس حقه كمواطن، لكنه حين يفعل ذلك لا يكون ممارساً لدوره الخاص كمثقف.ولكن.كان أمامى واقعا مرا يشغلنى دائما عن مثقف مصري ظل في‮ بيت ‬النظام،‮ ‬وركناً أساسيا ‮ ‬فيه،‮ ‬ومسؤولاً‮ ‬يمنح كل ما أوتى من ذكاء وغباء من أجل هذا النظام ،‮ ‬كان يعمل على تدجين المثقفين،‮ ‬وإدخالهم‮ (‬حظيرة‮) ‬فاروق حسني،‮ ‬و(جنة‮) ‬الرئيس المخلوع‮.‬ ‬وكان ‬يعتبر نفسه واحداً‮ ‬من أهم أربعة نقاد في العالم،‮، وكنا نعتبره كذلك أيضا كمال أبو ديب فى مصر وقد كان فى السابق أيضا ‬ جزءاً‮‬ ‮ ‬من نظام السادات،‮ ‬وكما كان مقرباً‮ ‬من زوجته ،‬كان وثيق الصلة بزوجة‮ صاحب كامب ديفيد ،‬والكل‮ ‬يعرف أنه شارك في صياغة رسالة الدكتوراة الخاصة بزوجته. بعد الثورة رأيناه يتحدث بفخر ،‮ ‬عن تخليه عن حقيبة وزارة الثقافة،‮ ‬وكأن ذاكرة المثقفين سقطت في المستنقع،‮ ‬بحيث أصبحوا لا‮ ‬يتذكرون أنه قبِلها بعد تساقط شهداء الثورة برصاص‮ (‬الجستابو‮) ‬ ‬كان مبارك‮ ‬يرتعش أمام صمود الثوار،‮ ‬في الوقت الذي لم‮ ‬يسيطر علي الدكتور إلا حلمه القديم،‮ ‬بتولي الوزارة،‮ ‬خلفاً‮ ‬لصديقه المقرب فاروق حسني،‮ ‬وكان الدم‮ ‬يغطي الميدان في الوقت الذي هرول‮هذا (‬العصفور‮) ‬علي السجادة احمراء،‮ ‬حتي‮ ‬يصل إلي الديكتاتور ويصافحه ويحلف‮ ‬يمين الولاء له‮..‬
وأول كلمات للوزير الجديد كانت إن الشباب الموجودين في التحرير لا‮ ‬يتجاوزون بضعة آلاف،‮ ‬وهم نتاج لثقافة التخلف،‮ ‬وهو بذلك أدان نفسه،‮ ‬لأنه كان المسؤول الأول عن صناعة تلك الثقافة،‮ ‬وحينما حاول‮ (‬الخروج‮) ‬بالاستقالة كان قد فات الأوان،‮ ‬لأن الحرب كانت تضع أوزارها،‮ ‬ولأنه استشعر حتماً‮ ‬أن الكلمة أصبحت للثوار‮. ‬‮ ‬وكان قد قبل جائزة ترتبط باسم‮ (‬الرئيس المخلول‮) ‬معمر القذافي،‮ ‬وها هو‮ ‬يقول إنه رفضها بعد اندلاع ثورة‮ ‬17‮ ‬فبراير الليبية،‮ ‬فهل أعاد الأموال،‮ ‬وهل كان‮ ‬يحتاج إلي ثورة ليدرك أن‮ ‬يديه ملطختان؟‮!‬
هذا نموذج لمثقف كبير ، فكيف لنا الاستفادة من طروحاته التى غطت كل المساحات ، ولنقيم رؤانا لمفهوم الثورة ؟ هنا تلح عليه عناصر سؤال هام ، وسألت نفسى مرارا عنها. لماذا لا يثور المثقفون ؟ فرأيت أن المثقفين لا يثورون في أي مجتمع‏,‏ لأنهم ليسوا طبقة ولا حزبا‏,‏ وإنما هم أيديولوجيات ومذاهب ومدارس واتجاهات في الفكر والعلم والفنون لهذا فإنهم يمهدون للثورة بإبداعاتهم‏.‏
أن المثقفين في أي مجتمع هم طليعته أو مع ذلك فإنهم كمواطنين يشاركون في الفعل الثوري الواقعي‏,‏ وفي تاريخنا المصري الحديث نهض المثقفون المصريون بدورهم الطليعي وبالإنتاج الثقافي‏,‏ الذي أضاء السبيل أمام جميع الحركات الثورية المصرية‏,‏ منها إصلاحية رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وليبرالية أحمد لطفي السيد وطه حسين وإبداعية أحمد شوقي ومحمود مختار وسيد درويش وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس‏.‏
أن المثقفين المصريين كانوا ولايزالون أصحاب التنظير والتذكير وكل انتقالات مصر وهياكلها العلمية والتعليمية والإعلامية وأصحاب الصياغات الدستورية والقانونية في كل الأحزاب والمؤسسات والتنظيمات منذ بدء النهضة إلي يومنا هذا‏.‏كان المثقف المصري-‏ عالما ومبدعا‏-‏ في القلب من حركة النهضة المصرية الحديثة‏,‏ وفي القلب من الحركة الثورية الراهنة‏,‏ يبدأ في إنتاجه الثقافي ثم ينخرط في صفوف شعبه في وقت التحرك الشعبي الثوري‏,‏ والكثيرين من المثقفين المصريين لهم تاريخ نضالي مرموق يشهد علي هذا الإنتاج الفكري والفني في السنوات الأخيرة‏,‏ كما يشهد وجودهم في ثورة يناير القائمة والمستمرة‏.‏
أن المثقف الحقيقي هو من استشرف هذه اللحظة قبل أن تحدث‏,‏ وقد انحاز لرفض الاستبداد والنظام الفاسد‏,‏ وطالب بالحرية التي تعود علينا جميعا كمصريين‏,‏ دون تفرقة‏.‏أن الثورة لم تقم بين عشية وضحاها‏,‏ كانت هناك حركات رفض سبقتها‏,‏ وكشفت عن معدن الشعب المصري كان هناك رفض من حركة كفاية وغيرها‏,‏ إضافة إلي الكتابات التي كتبناها ضد هذا النظام وتحملنا ضدها التهميش والإقصاء من جميع مواقع الدولة‏.‏
ولكن أين تفجرت روح الثورة؟
الثورة كما يراها العالم قدمت بعدا حداثيا فارقا، أدخل مصر في نقطة من الزمن الفارق، هنا دور المثقفين فارق والتحدي كبير، خاصة وأن من دفقوا هذه الروح في المجتمع أشخاص من خارج الثقافة التقليديةفشباب‏25‏ ينايرفتح صفحة جديدة للمثقف‏.‏
فمثلما فاجأت الثورة المصرية المتابعين لها فاجأت المثقفين أيضا ، وهم لم يلتقطوا الأنفاس بعد، فبعد إزاحة مبارك غرقوا في تفاصيل تطهير باقي النظام، ومتابعة إجراءات محاكمة رموزه، والخروج الصادم للسلفيين. ووجود جدول أعمال مفروض على الجميع من الخارج.
وبرغم أن المثقفين أزاحوا وسط هذه المعارك وزير الثقافة الإسلامي محمد الصاوي، "الداعم لمنظور تصورات الإخوان عن الثقافة.، ولكن تهميش المثقفين من الظهور في الإعلام، يظهرهم وكأنهم بعيدين عن الحراك الثورة.ففاعليات الثورة تدور الآن على شاشات الفضائيات عبر طبقة جديدة من خبراء الكلام ،فيما لم نشاهد واحدا من مئات المثقفين الذين وقفوا خلف المتاريس يتم تقديمه للناسفمتى يعقد المثقفون المصريون مؤتمرا عن الثقافة والثورة، من أجل خلق تمثيل حقيقي للمثقفين على طاولة التفاوض المجتمعي.
أما أولئك الذين انحازوا للنظام‏,‏ ومنحهم عطاياه فقد أصبحوا منكشفين للجميع‏,‏ مشيرا أن من بشروا بالثورة قد انحازوا إلي التغيير الجذري في جميع الأشكال بدءا من لغة الخطاب الثقافي وانتهاء بقلقلة الوعي الجماهيري‏,‏ وإلي أن يصل إلي هذه اللحظة لابد أن يمر زمن طويل‏.‏‏هذه الثورة أظهرت الانفصام في شخصية بعض المثقفين الذين كانوا مع النظام الاستبدادي‏,‏ وفي نفس الموقع الذي يتحرك فيه‏,‏ حتي إن بعضهم أهدي روايته للسيد سوزان مبارك‏.‏وماذا بين الكتابة والواقع فى الفعل الثورى لدى المثقف ؟أليست الثورة في الكتابة والرؤية تمهد لثورة تحدث في الواقع وعلي الأرض؟هناك أعمالا مثلت نبوءات بما سيحدث رأيتها فى ديوان سيد حجاب قبل الطوفان الجاي‏,‏ هذا الديوان صدر عام ‏2009,‏وأهدانيه صاحبه صدفة عقب صدوره ، وكان بمثابة نبوءة لما حدث في هذه الأيام‏,‏ هذا الطوفان الذي صوره حجاب سيكتسح كل هذا النظام الفاسد‏.‏
وهناك مثقفين كانوا واضحين منذ البداية ، وآخرين غير ذلك ، بداية وانتهاءا ، وكم كنت أشعر بالأسف للشباب الذين كنا نعبث بهم‏,‏ كانوا يعرفون منطق العصر‏,‏ ونجحوا في الوقت الذي وقفنا نحن نتفرج فيه‏,‏ لذلك جيلنا قصر في حق هذا الوطن‏,‏ لأننا كنا نخاف علي أولادنا وبيوتنا‏,‏ وسيذكر التاريخ لهؤلاء الأبطال أنهم أشعلوا ثورة لم يشهد العالم مثيلا لها‏.‏لقد تم جمع عددا كبيرا من المثقفين في حظيرة فاروق حسني‏,‏ واختار جزء منهم أن يكون في لجنة السياسات‏,‏ وجزءا اختار القنوات الفضائية‏,‏ وجزءا انتمي إلي المرحلة النفطية‏,‏ وجزءا اختار المشروع الأمريكي‏,‏ ويمكن أن نحدد أمثلة بالأسماء علي رأس كل مجموعة‏.‏
والمثقف المصري لم يستطع في الخمسين سنة الأخيرة باستثناء قلة قليلة جدا نادرة أن يكون شهيد عصره‏,‏ وأفضل من فيهم كان مجرد شاهد علي عصره ولا يمكن أن نجد وضوحا لموقف المثقف العضوي وفق ما حدده جرامشولنأتى بمثال للمفارقة الكبري بالشاعر عبدالرحمن الأبنودي الذي كتب أوبريتات جميع أعياد الشرطة‏,‏ وعندما اشتعلت الثورة كتب قصيدة الميدان عن الذين أشعلوا الثورة في عيد الشرطة‏,‏ هذا مثال واضح للمثقف علي الضفة الأخري‏.‏
إن المثقفين الذين شاركوا في الثورة لم يكونوا قيادات‏,‏ بل كانوا تروسا صغيرة في آلة الثورة الشعبية‏,‏ وأجمل ما في الثورة أنها بدأت من الفيس بوك إلا أنها تجاوزته وتحولت إلي مناطق مختلفة في أرجاء الوطن‏,‏ فلم يكن ميدان التحرير أيقونة خاصة بالثورة‏,‏ من الضروري أن يتخللى المثقف عن أنه مايزال قائدا للجماهير‏,‏ وعليه أن يتعلم الإنصات لثورة الشارع‏,‏
فالرجل البسيط أكثر رقيا من الحكام والسياسيين التقليديين والدليل علي ذلك اللجان الشعبية وتكاتف المسلمين والأقباط‏.‏إن طبقة المثقفين ضعيفة عديمة الحيلة‏,‏ لا تملك إلا التلميح بالكلام‏.‏وقد نلتمس بعض العذر لمجموعة من المثقفين وقفوا علي حد السيف‏,‏ مثل صنع الله ابراهيم فى مقابل من باع قلمه للسلطة‏,‏ و من انطوي علي نفسه وانتظر حتي قامت الثورة‏,‏ ومن تنبأ بحدوثها‏.‏لأن الثورة أثبتت خطأ الفكرة السائدة عن المثقفين كجماعة منغلقة على نفسها . فالجسد الأساسي للمثقفين شارك فيزيقيا في الثورة . لكن المثقفين يميلون إلى اللامركزية وعدم الاتفاق الجمعي، نظرا إلى اختلاف التركيب الذاتي والشخصي لأفرادهم، وقد أثبتت الثورة أن حلولهم للصراع مع الدولة القمعية قديمة وعفى عليها الزمن.
والصراع يحتدم الآن بين ثلاث قوى في المجتمع، كل قوة منها تخاف وتحترس من القوتين المواجهتين لها؛ فلول النظام لهم مشكلات مع الإخوان المسلمين والتيار المدني الليبرالي اليساري، وقوة الإخوان في مواجهة الفلول والتيار المدني، والتيار المدني الواقع بين كماشتي فلول النظام والإخوان.ولكن من هو العدو الحقيقى للصوت الثقافى؟الصوت الثقافي يدرك أن الإسلاميين عدوه الحقيقيخلال يوميات الميدان اقترب المثقفون من الإخوان بل ودافعوا عن حضورهم في مواجهة ، وقد أثبت الإخوان كالعادة انقلابهم على كل التحالفات الوردية، لكن اتحاد جسد المثقفين المصريين بعد الثورة يعوض عن ذلك، فقد اختفى إلى الأبد مفهوم مثقف السلطة.
والمثقفون كلهم الآن حماة للثورة في مواجهة سلطتي العسكر والإخوان المتحالفين تكنيكيا، ومجمل الصوت الثقافي الآن يدرك أن عدوه الحقيقي ممثل في الإسلاميين. أن المحاولات التي يبذلها المجتمع الثقافي الآن للتفاعل مع الثورة هي محاولات خجولة، فالنظام السياسي الماضي عمل على مدى 30 عاما على تدجين المثقفين من جهة، والتأكيد على مخاصمتهم للمجتمع من جهة أخرى. وفشل المثقفون في الدفاع عن أنفسهم لفترة طويلة وقد عاد المثقفون الآن إلى مربع الدفاع عن النفس عبر الخوف من التيار الإسلامي."وأنا متخوف من احتمال تغيير تسمية الثقافة أصلا إذا ما شكل الإسلاميون أغلبية في البرلمان، وأن يصبح من حق السلفيين المطالبة بصورة ديمقراطية بحصة من قصور الثقافة، لاستضافة الشيخ الحويني، السلفي والمعادي للمرأة والإعلام والثقافة، "نحن أمام مشهد قد تكون فيه الثقافة أولى ضحايا الثورة."وماذا عن توجه الثقافة الجديدة؟على افتراض منهجى بأن الثورة ستعيد الثقافة إلى وضعها الطبيعي بعد فصلها عن السياسة، فتأميم المجال السياسي منذ ثورة 1252 حمّل الثقافة هموم هامش الهروب من السياسية، حيث أصبحت المنفذ الوحيد للسياسة، وبعد فتح المجال بعد ثورة 25 يناير تم فصل الأوراق وإعادة تحديد المجال، خاصة وأن الميدان شهد ثقافة جديدة لا تنتمي للجماعة الثقافية .ثمة جماعة جديدة أداؤها استعراضي قائم على الارتجال واللغة الجديدة المباشرة.
وجود الجماعة الثقافية التقليدية وجودا سياسيا يهدف إلى إثبات وجود قوى أخرى في الميدان غير الإسلام السياسي حضور مدني ممثل في شخصيات عامة وكتاب ومثقفين وممثلين. أن المثقف أصبح بعد الميدان مشتتا بين دوره في العمل العام في هذا الخصام السياسي وبين دوره في مواجهة السلطة الثقافية الممثلة في الدولة، خاصة وأن "السياسة الثقافية للعصر السابق سجنته في دور الخبير المنغلق على ذاته.فماذا هو فاعل بغده ولغده؟هذا ما تنتظره الأيام والسنوات القادمة ، بل وما تأمل أن يكون له ثمة حضور حقيقى فى النهوض المجتمعى العام

الأربعاء، 28 يناير 2009

قاسم مسعد عليوه فتش عن جماليات القبح فى قصصى

جماليات القبح فى ظهيرة اليقظة
جماليات القبح فى ظهيرة اليقظة
جماليات القبح فى ظهيرة اليقظة



قاسم مسعد عليوه













الواقع محير،متلبس ومتشابكة خيوطه إلى حد الاندغام.وهى خيوط وفيرة متنوعة الفتائل،منها الغليظ والمسترق،المضفر واللازب،الجاف والدبق،اللين والصلب،الناعم والشائك...إلى مالا نهاية.
ولأن المشهد الواقعي مزدحم بالتناقص،غاص بشواهد الإتلاف والإختلاف،فإنه من الصعوبة بمكان-ولعله من المستحيل الفصل بين ملغزاته وبساطاته،مفارقاته ومقارباته،هدوءا ته وتفجيراته فعلى قدر ماهو مؤلم على قدر ماهو ممتع.وبقدر ماهو مبهج بقدر ماتشيع في أرجائه الأحزان.
قليلون هم القادرون على مواجهة هذا المشهد لتحليل عناصره،فالمشهد شديد التعقيد،والنجاح في الإمساك بطرف فتيله واحدة من نسيج أستاره ليس سوى احتمال مخايل،لكنهم يحاولون،وفى مقدمه هؤلاء المحاولين الأديب المتسلح بخيالة ولغته.بالخيال يحاول الإحاطة بالخفي المخبئ،وباللغة يعمل على المناجزة.وهى إذن علاقة كشف وتحريك تلك التي تجمع بين الأديب وواقعه.
وإبراهيم جاد الله فيما يبدو استوثق من الأمرين واطمأن
إليهما فاختار القرية الريفية عالما لكتاباته القصصية،ومضى يقوم بالمهمتين معا:الكشف والتحريك.
ولأنه واقع ثربمعطياته على مافيه من فقر،جميل على ما به من قبح،زاخر بالبراءة ومتخم بالآثام،فقمين به أن ينقطع له ويعكف عليه.فعل هذا في مجموعتيه السابقتين:(مشاهد من حكاية الوابور المقدس)ومن(أوراق موت البنفسج).وتأتى المجموعة التي نحن بصددها(ظهيرة اليقظة)لتعلن استمرار كاتبها على نفس الجادة..القرية التي نالها من المدينة ترف التعالي أو بلهنية العيش الرغيد .ولندخل مباشرة إلى عالم الظهيرة ويقظتها.


(2)


أول مايلفت الإنتباه في المجموعة ازدحامها بالبشر،فكأنهم أناس القرية المصرية جمعهم المؤلف بثقافاتهم وعاداتهم وأعرافهم،فإذا بالقصص تضج بالحياة،وإذا بنا أمام شخصيات من لحم ودم حقيقيين.ربما هي شخصيات متعبة.ممتصة،مريضة أو مذهولة،لكنها مع هذا وربما بسببه،هى شخصيات حية،تمارس سذاجتها ولؤمها،طهرها وعهرها،أحزانها وأطراحها فى بيئة صادقتهم وصادقوها،حنت عليهم بقدر ما حنوا عليها،وشوهتهم بمانالها-منهم-من تشويه.ولنلق نظرة فاحصة على بعض هذه الشخصيات.
فمحمود المريض بأعصابه العاوى كذئب فى قصة(قلب أم)المتربص بنظراته التى لاتستقر وأنفاسه التى لاتهدأ، محمود هذا الذى يصرخ بآرائه فى النساء قبيحا ومتبذلا،يربكه هم وقلق وهو يترقب مجئ أمه بالرغم من إيذائه الدائم لها،لكنه لايمك إلا أن يأخذها بين ذراعيه ويرتمى فوقها على أرض العنبر والدموع تغمر عينيه. ربما تشابهت تصرفاته وتصرفات غيره من العصابيين،لكنه يحمل خصوصيات المريض الريفي صفات ومسلكا،فيتميز عن غيره ممن يعانون مثلما يعانى.
وفتحى عنان النصاب الذى غش الحاج زين خادم دورة مياه الجامع الكبير(فى قصة جمعة الأرانب)وباع له حمارة مريضه مالبثت أن نفقت،فقامت بينهما حرب لا هوادة فيها.وفتحى عنان نصاب يمتلك دهاء الثعلب ودناءة الضبع ففي غمرة حربه مع الحاج زين لاينسي أن يحمل سكاكينه الحدادى ذوات القبضات الملفوفة بخرق قديمة ويأخد طريقه إلى حيث ألقى اولاد الحاج زين بجثة الحمارة ليشق الجلد عن البطن ويسلخها بحذر وتفنن فيسهل للكلاب نهش اللحم الوردى ويعود هو بالجلد محمولا فوق ظهر حماره مغطى بالقش والخيش ليجففه فوق سطح داره ويبيعه لصانعى الغرابيل.
وحماد صاحب المقهى الفقير إذ يتواجه ونبيل الحلاق فى قصة (من فصول اللذة والألم)لأنه كسر كرسي الدخان ويدخل معه فى معركة كلامية طاردا إياه من المقهي لأنه(هيطفش البغلين اللى بيجولنا)ولما لم تتشفع نبيهة زوجته لنبيل هذا(الحجر اللي يكسره ياحماد يجيب غيره)ينهرها(داهيقفل بيتى)ويعايرها-وهى زوجته-بأمها مغسلة الموتي،ويفرد جسده الذى تكور من السعال والضحك وأصوات مؤخرته ويهب واقفا فتقدر نبيهه أن حمادا سيعلمها الليلة ويتشاجر،فلما سددت يدحماد اللكمات إلى الأمام ثم تلتها صفعات،كانت هي تحجب جسد نبيل الحلاق خلفها،وكانت تصرخ صراخها المعهود الذى تجد فيه متعتها.
والمتولي الأعوار القصير الربعة مدكوك اللحمفى قصة (المتولى والكلب)الذى تتوافق رغبته فى التخلص من بوله،مع رغبة الكلب الأعور-هو أيضا- ويأتيان نفس الفعلة فى نفس اللحظة فى نفس الظل الذى يسقط تحت الشباك المواجه لباب قهوة حماد الواطئ. المتولى كان يتسمع صوت اندفاع بوله وبول الكلب الساخن كان يبلل مؤخرته العارية،لما أفاق فزع وانتقض يتدلي سرواله منه وبوله يتطاير أمامه وعلى ساقيه يلتصق،نفس الأمر حدث للكلب فنبح وهاج واعتلى ظهر المتولي وجر جلبابه من على قفاه والمتولي يتشبث بيديه فى حديد الشباك الواطئ ويصرخ مستغيثا.
المجموعة محتشدة بالشخصيات الضاجة بالحياة المتعثرة فى فقرها مثل الشيخ عبد العزيز مدرس أول الفقه بالمدرسة الثانوية الأزهرية وطلابه سعيد البلقاسي ومختار ابن المقرئ وصبري بن السيد وهدان فى قصة (صباحية الخيول)
شخصيات كثيرة تنبض بالحياة بالرغم مما تعانيه من فقر وإدقاع وظلم.حتي الشخصيات غير المسماة كالجد والأم والأب والحبيب والحبيبة وجامع التبرعات الكهل وبائع المجلات الأعراج وعامل المزلقان مبتور الذراع والمذهول والطبيب والممرضة والتومرجي وعامل النظافة..جميع هذه الشخصيات،وغيرها،بالرغم من نمطيتها وأدائهالأدوارهاالوظيفية،فإنهاتتمتع بحضورإنساني جعلها تقترب من الشخصيات المسماة فى الإقبال على الحياة والتأذى من تصاريفها.


(3)


وجميع الشخصيات المحتشدة فى المجموعة-مسماة أو غير مسماة- شخصيات فقيرة من الناحية الإقتصادية.حتى الشخصيات المتوسطة كالمعلم والطبيب وأصحاب العزوة هى أقرب إلى طبقة الفقراء منها إلى دنيا شرائح الطبقة المتوسطة.
والفقر-كما يبين فى قصص المجموعة- ليس مجرد حرمان اقتصادى وإنما هو أسلوب حياة له ثقافته المكونة من خليط غير محدد النسب من العوامل الاقتصادية والسياسية والنفسية.
وانثروبولوجيا.فإن لثقافة الفقر سمات رئيسة منها وجود أنماط خاصة للحياة العائلية،ومنها أساليب التنشئة وعلاقات الذكورة والأنوثة مع شيوع قدر ملحوظ من اللامبالاة والاستسلام،الذى قد يحتوى على بعض حالات التمرد،باعتبار الفقر قدرا لأفكاك منه.وعلى غير هذا الإتجاه الأنثروبولوجي تلعب الأبنية الإقتصادية والسياسية دورا رئيسيا فى هذة الثقافات التى نري نماذجها العلمية فى سلوكيات شخصيات ابراهيم جاد الله علي تنوعها وحبها للحياة.وقد تنطوى سلوكيات بعض الشخصيات علي ثقافات فرعية ربما بدت على شئ من التضاد مع ثقافة الفقر التى نقول بها مثلما هو الأمر مع شخصية الراوى المتعلم الذى ظهر فى أكثر من قصة ويحمل سمات المؤلف ذاته،لكنها-أى هذة الثقافات الفرعية-ليست سوي تنويعات من ثقافة المجتمع الفقير تتصف بفرادنيتها وعشوائية مسلكها،فضلا عن أن التناقص الذي تزاوله ليس بالتناقص الجوهري.


(4)

ومن الأمر اللافت أن الطبيعة الريفية البكر لم تأت بحالتها الخالصة داخل قصص المجموعة،فهي دائما مختلطة بعناصر من البيئة المشيدة حيث الشخصيات مستقرة أو تائهة بين دروب ومسارب المشيد الراسخ.علاقة جدلية قد تبدو بسيطة فى مظهرها العام,لكن التدقيق فيها يظهر مدي تعقدها المساير لتعقدات الواقع قلنا بها في المقدمة,فقد تعاظمت قدرات النظم والمؤسسات والمبانى وحاصرت هؤلاء الريفيين البسطاء في بيئتهم, لم تفرق بين العامل والهامل,الصحيح والمريض,الساذج والمتخابث,فما عاد أى منهم بقادر على التعامل معها بالفطرة التى جبل عليها بعدما نال هذه الفطرة ما نال.
وتعلن البيئة الطبيعية عن نفسها بسفور داخل المجموعة لكن فى الأماكن الخارجة عن حدود القرية لاسيما عن رؤوس الغيطان العامرة بالفول المزهر,والقنوات المليئة بالمياه الرائقة,ومع الدورات الكرونولوجية كساعات العصارى والنهارات الباردة أو المشمسة,إلا أن وضوحها يعتريه بعض من شحوب,ربما بسبب قلة المساحات التى تحتلها داخل قصص المجموعة ككل وهيمنة النظم البشرية عليها.
ومع هذا،فالقصص جميعها تاخذ المتلقى مباشرة إلي قلب الريف المصري بطقوسه وتقاليده وسلوكيات أفراده.
حتى الحيوانات لها حضور معوض لشحوب عناصر الطبيعة. فالعصافير تحلق فوق الغيطان وتحط على أفاريز الشبابيك الخشبية,والحمير تروح وتجئ بأحمالها من البشر والأشياء,والأرانب تقتحم على المصلين صلاتهم,والفئران تنصب لها المصائد,وفضلات الدجاج والأوز متناثرة هناك وهناك.الديوك تصيح والكلاب تنبح والجاموس يمضى والحصن تتلاقح.
إذن فالحضور الريفي المدعم لمكانة البيئة الطبيعية لايحتاج لثمة إعلان,لكنه حضور غير مكتمل لأنه حضور قلق منهزم فى داخله,حضور محشور فى عنابر المستشفيات والعيادات الريفية قصتا قلب ام وسيماء المواجهة),المساجد(جمعة الأرانب)والبيوت(قصص مربعات الضوء المعتم- غيوبة, تهيؤ)المدارس(موقعة سعيد البلقاسي)المقاهي(قصص مربعات الضوء المعتم,من فصول اللذة والألم ,وساعة من نهار عادى)الميادين الصغيرة(علاقة),الأوتوبيسات استحواذ القطارات (ضوءخاطف فى العاشرة مساء وتحقق احدي الخيبات)..وهكذا.

(5)

وللسخرية ملامح تبين بين ثنايا كثير من قصص ابراهيم جاد الله,وهي سخرية تعود بنا إلى المباهج البدائية على النحو الذى قال به سيجموند فرويد وتذكر أيضابما قال به هنري برجسون فالسخرية-بما تتضمنه من اضحام-نشاط انسانى عقلاني وجماعي,فلا سخرية ولا ضحك الا فيما يمس الناس,ولن يكون لها وجود إلا إذا توجهت إلى العقل المحض,لأن تحققها مرتبط بالصدي الذي تحدثه فى بنتية المجتمع .ومعالجات ابراهيم جاد الله الساخرة لاتخرج عن هذا الأمر.وهو يسخر-دونما مبالغة-من مظاهر اللامبالاة فى المجتمع الريفى المصرى،ومن الانبساط النفسى الذى جبل عليه أفراده ، ومن حالات الذهول المصاحبة للتخلف.
ومن ناحية أخرى يراهن ابراهيم جادالله على أن الشخصيات الريفية المهمشة التى تبدو فى ظاهرها مستنيمة ومستسلمة لعوامل القهر والاستلاب ، ما تزال قادرة على إتيان فعل الابتهاج.
هى إذن روح الدعابة التى تشى بغضب وتذمر مكبوتين وهذا ما تنبئ به قصص (جمعة الأرانب) حيث يتخلى المستمعون لخطبة الجمعة عن الخطيب الثائر وتهديداته ويلتفتون إلى الأرنبين اللذين اقتحما عليهم المسجد ، و(المتولى والكلب) حيث يعتلى الكلب الأسود الأعور نظيره البشرى فى واحدة من أكثر قصص المجموعة سخرية،(موقعة سعيد البلقاسى) حيث لايحتمل سعيد هزر زميليه لسماجته فيرفعهما من مجلسيها ويصادم جبهتيهما بعضهما بالبعض أمام دهشة أستاذهما المعمم ،(وصباحية الخيول)حيث يصيح صلاح محمسا حصانه للتعجيل بعملية التلقيح ((الله اكبر ..صل على النبى ..شد يا واد شد يابركة )) ، وفرحة التلاميذ الذى وقفوا ليشاهدوا عملية التلقيح واحتضان صلاح لرقبة حصانه منتشيا بينما يسكن السعيد رشاد ماء بارد من علبة سمنة قديمة فوق مؤخرة مهرته بينما تتحول حمحمة الخيول المربوطة إلى عرباتهاإلى صهيل ...وهكذا .


(6)

تقودنا هذة السخرية إلى الطريقة التى عالج بها ابراهيم جادالله مظاهر القبح فى واقع القرية المصرية . وعادة ماتثير جماليات العمل الفنى الذى يتناول مظاهر القبح الواقعى نقاشا قد يتماس والمحاكمات الفلسفية لاعتماد كل من الجمال والقبح على الحكم الذوقى .والحكم الذوقى ليس حكما منطقيا ، لاقوامة معرفية له ، ولا ينطوى على باعث نفعى .لكن ليس ثمة ما يمنع _على نحوماذهب (كانت) من إلحاق هذا الحكم بعد صدوره بصيغة نفعية .معنى هذا أن للذوق وظيفة إجتماعية ،لأنه هو الذى ينقل العواطف الخاصة إلى الآخرين ويشبع الميل الفطرى لدى الفرد نحو الاتصال بالغير ، وقد شاركه (جادامر) نفس الرأى وأكد على أن نمو الفنى من خلال خبرة الذوق الجمالى هو اتجاه برانى نسبيا، وأن الذوق حس مشترك ، ومن ثم فإن الخبرة الجمالية تنطوى على أحاسيس متصلة بالسياقات الثقافية والخبرات الإجتماعية التى قصرها ابراهيم جادالله على القرية الريفية الآخذة بتلابيب التمدين .
ومن ناحية أخرى لا يشهد الجمال الفنى لصاحبة بأى
ميل حقيقى إلى الخير أو بأى نزوع أخلاقى كائنا ما كان . نقول هذا لأنه كثير ما يتم الربط بين الإهتمام بالجمال والتمسك بمكارم الأخلاق .
نقول هذا حتى لايسارع البعض بإقامة علاقة عكسية بين ما نقول وما أورده ابراهيم جادالله من مظاهر القبح المجتمعى فى قصص مجموعته .
وبصفة عامة فان ما يقال عن الجمال ينطبق على القبح . فالقبح، شأنه شأن الجمال، يشير إلى حكم على شىء أو
معنى ، فعل أوفعل ، بانه ليس جميلا او لايتوافر له القدر الذى يسمح له بان يكون جميلا . وما دام الأمر كذالك ،فإنه يمكن النظر إلى الجمال والقبح على أنهما دائرتان مختلفتان الجمع بينهما وارد . معنى هذا ان الخلط بينهما أمر ممكن الحدوث وهو مايعبر عنه فنيا ((بجماليات القبح)) فى الواقع المعاش ، قد يستتبع إصدار الحكم بالقبح على أمر ما حكماآخر بالنبذ نفيا أو عزلا ، لكن مع العمل الفنى فإن الأمر يبدو على قدر من التدخل لاشتباك القبح مع جماليات الإبداع ، ولعلنا لا نغالى إن قلنا بقدرة المعالجات الفنية الراقية على الإرتقاء بمظاهر القبح ، التى يستبشعها الذوق فى الواقع المعاش ، إلى أفاق من السمو الجمالى إن صح التعبير. ولا يحدث هذا عن طريق التماس مع الجميل من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية .
وإذا انتقلنا إلى السرد القصصى فى مصر ، فإنه يمكن القول بأن جله استهدف هذا السمو الجمالى بتقبيح الشائه المستهجن بمختلف تجلياته ، لكن فى حدود علمى فإن اثنين –فقط- من السراد المصريين إهتما بالمنطقة المشتركة بين الجمال والقبح على النحو الذى قلنا به ، وأقصد بهما محمد روميش فى مجموعته القصصية (الليل الرحم ) وصنع ابراهيم فى رواياته (تلك الرائحة ) ، (اللجنة)و(شرف).
إليهما يمكن ضم ابراهيم جادالله بمعامل ثقة معقول ،ذلك أنه تعامل –مثلهما بجراءة مع مظاهر القبح المجتمعى . ومن منظور واقعى فان الجرأة وحدها لا تصيغ فنا جيدا ،وإنما يلزم أن تسهم فى إنتاج معرفة أفضل أو تفهما أعمق أو إدراكا أشمل للواقع ، مع تحقيق قيمة مضافة – إن صح التعبير – للوجدان إحساسا ومشاعر ،وهذا ما يمكن تلمسه فى عدد غير قليل من قصص مجموعة (ظهيرة اليقظة) ساعد على هذا اللغة البرية المطواعة التى هى فى عفويتها بنت بيئتها ، فلا هى مغرقة فى البدائية ولا هى مترفعة مصبوغة بتثاقف أهل التمدين . هى لغة مهمشى الريف فى حالات التحقق والإنهزام ، النهوض والسقوط ، البراءة والدناءة . لغة جامحة قد تشغلها محاولات التخلص من مكابح الثقافات الأرقى ، لكنها بجسارتها وصراحتها تكشف مواطن القبح وتسلمها للمعالجات الجمالية فتقربها من ذائقة الملتقى الذى يقبلها دونما امتعاض أو نفور .
فى القصةالأولى (قلب أم) يصرخ محمد العصابى برأيه عاريا قبيحا ومبتذلا فى النساء فتتوارى المشرفات والممرضات والحكيمات خجلا . وفى قصة (غيبوبة ) تنشغل الأم والأبناء بتوصيل خرطوم حقنة شرجية إلى جوف الأب ويوصلون الخرطوم بحنفية الماء المغروزة أسفل حائط الحمام ، ولما كان تدفق الماء من الماسورة ضعيفا صرخوا فى الأم لتدير موتورا كهربائيا ليشتد اندفاع الماء عند فتحة الأب السفلية فتمتلىء بطنه أو أمعاءه بالماء ، يتململ على إثرها جسده الثقيل وتتسع حدقتا العينين ((فينزع أوسط الأبناءالخرطوم منه لتندفع كرات صغيرة جافة نتنة الرائحة مع اندفاع الماء التى لم تستطع عضلات البطن أن تقبضها ويعقبها سرسوب غليظ من براز مذاب)) فيأخذه أحد الأبناء بين أحضانه
بساعدين قابضين على الجسد الممتلىء ويرفعه من تحت إبطيه وقوفا ويكون الأوسط المدرب قد غسل له مؤخرته
ونظفها تماما ..)). وفى أقصوصة (توائم الألم) تنفتح الغرفة على فضاء سطح إحدى البنايات تبرقشه فضلات دجاج متكورة وأخرى لأوز..خضراء قاتمة . وفى قصة(تحقق إحدى الخيبات ) تشهد دورات المياه تنهدات محمومة لرغبات مكبوتة ، ويلقى التلميذ دفاتره المدرسية على تلة ترابية ويفك سرواله ويصطنع البول التهاما لزمن المسافة الفاصلة بينه وبين المسافة القادمة .وفى قصة(المتولى والكلب) يرخى المتولى إليتيه الغليظتين العاريتين إلى الأرض وتضغط ركبتاه القصيرتان على بطنه التى ليس بها أى استواء فتنقلت من أسفله أصوات ضخمة طويلة متقطعة قبل أن يندفع بوله مكونا أمامه بركة تتصاعد منها أبخرة نشادر حارقة ..بالإضافة إلى أفعال الكلب المماثلة . وفى قصة (صباحية الخيول ) يغمز صلاح بن محمد بهجات لجام حصانه باتجاه مهرة السعيد رشاد فيعاود الحصان دفن رأسه بين فخديها صاعدا ببوزه ومنخاره إلى أعلى المؤخرة وترتعش شفته العليا فوق أسنانه ويحمحم بينما تواصل هى فعل الإنقباض والإنبساط من الخلف تحت الذيل المنتصب،وحركة الأشداق التى تسارعت من الأمام فيفاجىء الحصان الجميع ويعتلى ظهر المهرة وبروز غليظ من خلفتيه ، أسفل بطنه، مصوب فى اتجاه صحيح .وفى قصة (ظهيرة اليقظة) خلعوا عن الراوى المريض كل ملابسه وألبسوه ثوبا مشقوقا من الخلف فظل ظهره عاريا ، حتى المؤخرة لم يتركوا شيئا يسترها والبنات النحيفات يرحن ويجئن من حوله ، ويتذكر السيد ابن خالته عائشة الذى نام مع حنيفه بنت البرقوقى نومة الرجل مع امرأته ((وكان دمها سايح يملا حوضها )) هو نفسه فعل فعلة ابن خالته هذا لذا هو خائف أن ينال نفس المصير .
ربما شوه التلخيص جسارة الأسلوب وطزاجة اللغة وهما علامتان بارزتان فى أغلب قصص المجموعة. يضاف إليهما جودةالسبك وظرف العبارة وإتقان الصورة واضطراد الإيقاع مع نبو عن لإبهام والشرح والتفسير والخطابة فسهل بذلك عن الملتقى معايشة الواقع الذى تعرض له المجموعة وكل منها مزية فى حد ذاتها .
لكن لم يخل الأمر بطبيعة الحال من أشياء نذكر منها التقدمات التى صدر بها المؤلف بعض القصص فبعضها من الأفلام الغربية .. الكوميديا الإلهية لدانتى (جمعة الأرانب) وقصيدة لأوراق الميته لجاك بريفيير (قبة النهار) ورسائل رامبو إلى أهله ومثل روسى (ظهيرة اليقظة) وجميعها فى رأينا لا تتوافق والأجواء المصرية الريفية للقصص التىتصدرتها .

وبعد، هل توافقوننى إن زعمت أن إبراهيم جاد الله قد تمكن فى (ظهيرة اليقظة) من الإمساك باهداف فتيلة تدخل فى تكوين خيط غليظ من خيوط واقع ريفنا المصري ؟..
إن قلتم ربما فهذا هو النجاح بعينه .

الأحد، 18 يناير 2009

حاور ظلالك . لاحرج



حاور ظلالك

لا حرجْ

واطلب من الله الفرج

والزم ثغور الزهر

واصمت برهةً

لا تنزعجْ

فالهامش المسموح همسٌ خافتٌ

في الصدر ....؛ أو في المُنعَرج

لا ترفع الصوت

احترس

فعساكر السلطان في الميدان

بادرهم بآلاف الحجج

وامدح ركائبهم

تبسّم

دون أن تبدي امتعاضاً

كي تكون مواطناً في عمق حظوتهم ولج

قبّل ثرى الأعتاب والأيدي...

وقف

صفق

لأصحاب الجلالة والفخامة....

أعلِهم فوق المهج

بل طُفْ بحضرتهم

تمسح بالقصور وبالرتب

دون أن تدنو فتقلق نومهم

مثل "الهمج"

يا أيها المحزون... لا...

لا تبتئس

وامسح دموعك فابتسم

واخلد إلى نومٍ يريحك

حالماً بالصبح يأتي مشرقاًٍ بعد اللُجََجْ

ثمَ اشرب الصمت الأُجاج ولا تبالي بالصدى

فالغيث بالدمع امتزج

والليل آذن بالرحيل

فعش سعيداً بالقناعة

الاثنين، 5 يناير 2009

جمال سعد يشاهد تداعيات زمن مر



إبراهيم جاد الله و ( تداعيات الزمن المر ) :


فى " تداعيات الزمن المر " تجدك منقاداً لتعايش عالم الانتخابات والصراع من أجل الحياة ، وتتعرف على نماذج بشرية مختلفة ترقب لحظات توترهم وقلقهم وفى النهاية مصائرهم وهي تتحدد وسط لوحة فنية كبيرة متشابكة العلاقات ، زاخرة بالحركة ، مضمخة بالألوان ، غنية بالشخصيات فى بناء فني شامخ ، يعزفه الكاتب باقتدار ليثير وجدان القارئ ويحرك فكره.
وما إن تنتهى التداعيات ( القسم الأول من المجموعة ) حتى ينطلق القارئ إلى التجليات البشرية ، فيجد نفسه فى خضم حركة المجتمع مواكباً لأحداثه الجسام يقدم الكاتب بعضاً هو ما تفرزه مباشرة ، والآخر ما يمكن اعتصاره من المجموعة أما المحتوى الذى تفرزه المجموعة لأول وهلة يتمثل فى :
1- الاحتماء بالبيئة الشعبية والريفية ، وإطلاق آمال وأمنيات أهل هاتين البيئتين : ( ولما أتت الجاموسة على كل ما أمامها ، رفعت ( مهجة ) دلو الماء البارد إليها فى المزود الطيني فاجترعته عن آخره ، وصلت على النبى بعلو صوتها الذى زال احتباسه تماماً وبان التماع جسد الجاموسة ، وارتخاء ضرعها فى مؤخرة بطنها المدورة ، وأحست ( مهجة ) بانخلاع قلبها وهي تفك مقودها وتسحبها خارج الزريبة حيث ( عبد الستار ) قد أعد نفسه ، وهيأ حماره ، والندى ساعتها يكسو حارات البلد وحسها النائم ، ونثرت على عتبة الدار دعوات طازجة بالخير الكثير والرزق الوفير ، وتيسير العسير ، وأن يكفيها الله شر العين ، والمختبئ الدفين .. ) قصة تجليات عبد الستار ص 94.
2- التعبير عن الذات المستقلة والتى تحاول الفكاك من أغلال العمل أو الزمن أو القهر : ( .. وليس اعتياداً أن تأتي لمنزلنا عبر التليفزيون ، وابني الصغير متذمر إلى بعيد ، يأبى حرمانه مشاهدة أطفال الشمعدان ، ولا أصغي لبكائه الصادق ودموعه الغزيرة فوق خدين رقيقين ، وأمه التى تزوم فى غيظ مكتوم..) قصة تجليات فيروزية ص 113 .
3- محاولة الفكاك من أسر الماضى والانطلاق إلى عوالم أرحب يراها الكاتب هي الأفضل .
4- العوالم المستقبلية التى يراها الكاتب غير واضحة وتبدو غائمة .
5- الدوران حول الذات ، والاستفادة بما تفرزه من أحلام ، ويتضح الاحتماء بالبيئة فى قصة ( تجليات عبد الستار ) حيث نشعر أننا مكدسون داخل سوق نبحث عن الأمن والأمان ونحاول أن نستر عوراتنا ونسد الطريق أمام الآخرين من الجيران ، وفى قصة ( واشتعلت حرائق كبيرة تمهيداً لحريق أكبر ) تجد أولئك الذين وقفوا فى ظلام الزقاق عند دار عبده بن رجب القريشى ، الذى دفعه شبح رجل مندفع فى إرتباك ، أما التجليات ( الجزء الثاني من المجموعة ) تجد القرية / الملاذ لم تعد ملاذاً ، وإنما أصبحت غولاً يهدد الصبى الباحث عن الستر ببيع الراديو يريد أن يسد جوعه ، والانفلات من قبضة الحاجة ، والفكاك من دائرة العذر ، وقلة الحيلة تبدو واضحة فى كثير من قصص المجموعة والعوالم المستقبلية التى يراها الكاتب وتبدو غير واضحة لديه ، ولم يقدم لها تصوراً تبدو فى مرقومات القصة الأولى ( تداعيات الزمن المر ) و ( تجليات الصبى ) و (زمن عبد الستار ) و ( المنقذ ) و ( المحاصر ) و ( العجوز ) . أما الدوران حول الذات فتشترك فى هذه الخاصية كل قصص المجموعة تقريباً .
لقد استطاع ( إبراهيم جاد الله ) أن يعبر عن المكان الذى اختاره تعبيراً صادقا واستخدم جل أدواته ليصل بنا إلى المحتوى ، أما المحتوى الذى لا يبدو واضحاً من أول قراءة ، فيبدو مغايراً لما سجلناه ، ذلك أن الفهم الكامل للقصة لا يعتمد فى الأساس على ما يقوله الكاتب فقط ، وأن ( الذاكرة ) الجيدة لهذا الفن الرائع ينبغي أن تحيط علماً بظروف الكاتب وبالمناخ العام الذى يعيش فيه وبمدي ما يحصل عليه الكاتب من حرية فى التعبير وحرية فى نشر وإذاعة هذا التعبير ومدى تقبل المجتمع لما يقوله الكاتب ، فالأديب لا يجلس ليكتب ما يشاء كما يشاء فكما أن للغة التى يكتب بها قواعد وقوانين من أول شكل الحرف إلى شكل الجملة إلى علاقة كل كلمة بما حولها ولا يستطيع كاتب مهما كان أن يفلت من هذه القواعد وإلا أصيب فى مقتل مثل الذى يمسك بالمسدس ، ولا يعرف إلى أين صوبه وربما صوبه إلى قلبه ، فأداة اللغة لها قواعدها التى تفرضها فرضاً على كل من تسول له نفسه بأن يتعامل بها وكذلك فن القصة و أيضا ( الوسيط ) الذى تعيش به تلك القصة ، فلا يكتب القاص لنفسه ، بل يرويها للناس والناس لا تقف تحت أشعة الشمس بالساعات من أجل الانصات إلى كاتب قصة لذا لزم وجود وسيط يدفع بقصة الكاتب إلى القارئ .. والمراد هنا المحتوى الفكرى للكاتب الذى يسقى قصصه منه ، فإن الفكرة الواحدة فى القصة لا تكفى للدلالة على فكر كاتب القصة أي مذاكرة هذا الكاتب مذاكرة متأنية غير متعجلة ، وإذا كان الفن هو الإيجاز ، فقد كان الكاتب موجزاً استطاعت لغته أن تحكم إيقاع العمل بقوة وشاعرية موفقة بين المتكلم والمخاطب والغائب و ( إبراهيم جاد الله ) تميزه بحس لغوي جيد وتميز اللغوي يعطيه درجة سبق علي أقرانه لأن من الشائع الآن الوقوع فى الأخطاء ، وعدم الاهتمام بمكونات اللغة والاستفادة بمفرداتها ، ولا تكاد تغيب عناية ( إبراهيم جاد الله ) الفائقة باللغة حتى ليمكن القول بأن ( التجربة اللغوية ) هي العنصر الأساسى فى هذه المجموعة . ولما كانت تجربة الشخصية تجري فى الأغلب داخل عالمها الباطني ، وتبدو ضعيفة الصلة بالعالم الخارجي ، فإن غيبة التوازن بين العالمين يضخم شعور الشخصية بما يعتمل داخلها من خواطر أو انفعالات أو هواجس لا يكبح جماحها شئ من حقائق الواقع ومعاييره ، فتنطلق على لسان الشخصية فى ألفاظ وعبارات ومجازات تتسم بكثير من الجد والمبالغة فى الدلالة وتجئ أحياناً مفاجئة أو غير متسقة مع أسلوب الكاتب المنساب .
:

الأحد، 4 يناير 2009

محمود خضرى قرأ لى ظهيرة اليقظة





قراءة فى ظهيرة ابراهيم جادالله
محمود خضري يس







أصدر الأديب إبراهيم جاد الله مجموعة قصصية ظهيرة اليقظة عن إبداعات معاصرة في كتاب من القطع المتوسط يحتوي علي مائة وستين صفحة. يضم العديد من القصص القصيرة.
صور فيها الكاتب البيئة القروية وما يعتري الإنسان فيها من مشكلات وقدمها للمتلقي في تقنيات متعددة. تتحرك علي مسارح أحداث قصص المجموعة شخصيات بلحمها ودمها وأفكارها. أراد الأديب إبراهيم جاد الله أن يبث إلي المتلقي علاقته العميقة بالبيئة الريفية. فاهتم بهذه البيئة حتي وصل إلي درجة التوحد معها. وقد وظف مفردات هذه البيئة توظيفا يثري القص. والاهتمام بالبيئة المحلية من مشاريع المبدعين العالميين فقد اهتم فوكنر بيئته المحلية وسار في نفس الدرب الذي سار فيه غيره من أدباء أمريكا الجنوبية الذين اهتموا بهذا الجانب الخصب الحيوي. انتقي الكاتب كلمات تنأي عن مفهومها الاتفاقي المسبق تحفل بالطاقات الإيحائية. فالكاتب يمتلك وعيا بمعطيات الكلمات الدلالية. وبرع في تآلف هذه الكلمات التي انسجمت في جمل تعطي كثيراً من الإيحاءات. اتسعت مساحة المرأة في قصص المجموعة. فقدم الكاتب للمتلقي فعاليتها في المجتمع وجوانب انتمائها إلي أفراد المجتمع فهي تحب ابنها وتعاني قسوة المسافات بينها وبينه من أجل أن تقدم له ما يحتاجه من طعام "قصة قلب الأم". تثور ضد كل من يمس ابنها بسوء "قصة طرح الليل". تحمل علي عاتقها هموم الأسرة وتقوم بدور رب الأسرة بعد رحيل ابنها البكر والزوج "قصة قمر الزمان المستحيل".
جاء العنوان ظهيرة اليقظة كلمة ظهيرة هي الفترة من الوقت التي تكون فيها الشمس في منتصف قبة السماء وهذا الوقت تصل درجة الحرارة فيه أعلي درجة فهي وقت القيلولة ويرمز بها إلي الآلام والقلق والخوف أما اليقظة فهي العلاقة الجدلية بين أفراد المجتمع وهذا العنوان اختاره الكاتب وهو أحد عناوين قصص المجموعة التي تدور حوله القصص من حيث محتوياتها. تعتمد المجموعة علي السرد الخالص وقليل من الحوار. كرس الكاتب اهتماماته في رسم الشخصيات التي التقطها من الواقع كاشفاً عن أعماقها الثرية بشتي ألوان الضوء ومنحنياتها المتعددة. وقد جاء ببعض الشخصيات الهامشية الخارجة عن المجتمع والقانون مثل شخصية الرجل العاري في "قصة قبة النهار" فالكاتب يصوغ إبداعه من عالم الإنسانية.
رسم الكاتب شخصياته كاشفاً عن عوالمها الداخلية وهذه سمة المبدع الذي يمتلك أدواته القصصية عبر القراءة وتحليل النصوص الأدبية. وقد أشار إلي ذلك الدكتور الطاهر أحمد مكي في كتابه القصة القصيرة - دراسة ومختارات قائلا:- "يستطيع القاص الجيد في نطاق الحدود الدقيقة التي تحكمه من الزمن والحدث والعاطفة والاهتمام بالحيز المحدود أن يجعل الإبداع النفسي عابراً علي الدوام.. بسيطاً وواضحاً من خلال خيوط قليلة عادية. ولكنها صلبة دائماً وفي خدمة القص".
من القصص ما جاء علي لسان المتكلم مما أدي إلي وجود فرصة أمام الكاتب للغوص في أعماق الشخصيات وتحليلها. ومنها ما جاء علي لسان الغائب وهذا يجعل المتلقي يشاهد عوالم شخصيات الكاتب ويحدد مناطق الخصوبة فيها. أسقط الكاتب العوالم الشعورية للشخصيات علي الأمكنة فأثري أحداث القصص. فالشريط الساحلي المنجل من طرح النهر يغطيه العبث عندما يمر عليه الرجل العاري في قصة قبة النهار "كان دائم الرواح والمجيء علي شريط ساحلي منجل من طرح النهر بجوار المشاية يلوكه تحت قدميه ومخلفا تحتها قبضات لدنة متحمرة من الطين". فقد أسقط الكاتب عبث الرجل العاري علي المكان فبدت للمتلقي عبثية المكان. أحب الكاتب أن يوقظ شعور المتلقي ويعده لفهم مضامين بعض القصص في المجموعة عبر استخدامه المفارقة التصويرية ففي قصة قلب الأم يصف الكاتب محمود المريض بمرض نفسي يستقبل أمه بأقذع الشتائم "ويظل يلاحقها بأقذع الشتائم التي تخترق شرفها حتي يختفي شبحها خلف البوابة الحديدية البعيدة". وعندما جاءت الأم بعد غيابها راح الابن يحضنها والدموع تملأ عينيه ما إن لمحها هو من بين دموعه علي باب العنبر حتي انتقض صارخاً يدق جبهته بقبضة يده وتعالي نشيجه وهو يأخذها بين ذراعيه ويرتمي فوقها علي أرض العنبر والدموع تغمر وجهيهما "قدم الكاتب للمتلقي البعد النفسي في أسلوب بسيط وواضح ففي قصة قلب الأم حزن الأم علي ابنها وخوفها عليه أثر في شخصيتها وانعكس ذلك علي ملامحها الشابة التي تتغضن. وإذا كانت المرأة تحرص علي ابنها وتخاف عليه وتحزن علي ما أصابه من مرض في قصة قلب الأم فالمرأة ثائرة ضد كل من يمس ابنها بسوء في قصة طرح الليل. فهي تستدعي لابنها الشرور والأوبئة إن جاهرها بعصيان. لكنها تثور ضد نعيم الذي داس علي بطن وعظام ابنها بالجزمة الميري" ولما كان نعيم يدخل دارنا في صحبة الرجال يستسمح أبي كانت أمي قابلته عند الباب وضربته بالجزمة البلاستيك "إن حب أم مندور لابنها يدفعها إلي عدم ضربه" هي تحثه أن يعود ضارباً لا مضروباً. تحبه فاعلاً لا مفعولاً به أو فيه.
إن ظيهر اليقظة لحافلة بجماليات القص. فهي تجذب ألباب القراء وتستحق الاهتمام من قبل نقاد الأدب
.

فى لحظات الموت الأول أسماء هاشم كتبت لى من غزة


من غزة
1
لا وقت لدينا للبكاء
لا وقت لرثائنا
يكفينا .. أن نجد دما
نرقع به موتنا
ونغلق علينا نوافذ النحيب
حتي إشعار آخر للحياة .
2-
بعد كل موت
نحتاج لمعجزة للحياة
و للنجاة
يا الهي ...
أية قدسية لأنفاسنا المتبقية ؟
3-
لا جلد يغطي موتنا
لا جلد نغطي به لحمنا
لا جلد ...
نربي تحته عقدة الخوف
من الموت
4-
فوق المآذن
نقرأ بعض التراتيل علي أرواحهم
لعلها تصل السماء بسلام
دون أن يعترض موته
غارة أخري !
5-
فوق المآذن
نعلن جنازاتنا
..........
وحده الله
ثابت
لم يمت .

أسماء شاكر ... من غزة

السبت، 3 يناير 2009

مقولة الخصوصية والثقافة


مقولة الخصوصية والثقافة

:ابراهيم جادالله

العالم ثقافات.. ثقافات تتلاقي وتتفاعل وتتلاقح، ولكن أيّاً منها لا يلغي خصوصية الأخري إلا إذا كانت المشيئة غير الثقافية تهدف إلي احتواء ثقافة ما تمهيداً لإزاحتها عن الحضور في ميدان الفعل الثقافي، وهي إزاحة تقصيها ولا تفنيها لأن الذاكرة الجماعية تمثّل مناعة ثقافية ضد الفناء.والثقافة ثقافات.. لا تلغي إحداها خصوصية الأخري حتي لو دارت جميعها في فلك قومي واحد، لأن الفضاء الثقافي القومي وعاء كبير تتنوّع في مداراته الخصوصيات التي تتمايز مع تقادم الزمن وتفاوت التفاعلات.ولنستذكر معاً التعريف الأكثر شهرة لمفهوم الثقافة والذي جاء به أي. بي. تايلور: الثقافة هي الكل المعقّد الذي يتضمّن المعرفة، الإيمان، الفن، الأخلاق، القانون، الأزياء، وأية عادات وتقاليد أخري تحضر في حياة الإنسان كعضو في المجتمع .وإذا ما دققنا مفردات تعريف تايلور وإسقاطها علي الفضاء القومي العربي نجد كثيراً من هذه المفردات تختلف من بلد عربي إلي آخر، الأمر الذي يستدعي ضرورة الإقرار بوجود خصوصيات ثقافية في كل بلد عربي، لأن اختلاف مفردات المفهوم مع واقع الحال يستدعي بحثاً عن مفاهيم أخري أو استخداماً آخر للمفهوم.ولنبدأ من حقيقة أن الثقافة هي ثقافة المكان في المقام الأول، وثقافة الزمان في المقام الثاني. فالثقافة في جغرافيا صحراوية غير الثقافة في جغرافيا جبلية، وفي مناطق ساحلية غيرها في مناطق برية، وفي مناخات جليدية ليست كما في مناخات جافة. أي أن لكل مكان ثقافته التي تتشكّل خصوصيتها من عناصر طبيعة هذا المكان دون سواه، وإذا ما أضفنا إلي ذلك كون الزمان متبايناً في بلداننا العربية فإن الخصوصية تأخذ عمقاً أكبر. فالمكان يفرض مواصفات ثقافية محدّدة في التعاطي الإنساني مع الذات والموضوع. والزمن يخلق - بالقطع - ثقافته، لأن الزمنية تقع في صلب عناصر تشكلات الثقافة. كما أن الزمن الحضاري يلح في استنبات ثقافته، والزمن البدائي لا يأتي بما يتبدّي في الزمن المدني، والحضري غير البدوي.ومن هذا وذاك: العراق غير مصر، ولبنان غير السعودية، وعُمان غير تونس، والجزائر غير اليمن، وسوريا غير السودان، والمغرب غير قطر.. وهلم جرا. ففي بلد مثل العراق يُستشكل القول بثقافة عربية: (الثقافة العربية في العراق)، لأن في ذلك تحديدين تعسفيين:أولهما: تحديد الثقافة العربية في العراق بمعزل عن المكونات الثقافية العراقية الأخري، وهو تحديد غير ممكن في أجواء وظروف طبيعية (علي أساس أن الحرية هي الطبيعة) لا يتسيّدها عنف الاحتواء والإقصاء والشوفينية.ثانيهما: تجاهل الخصوصية العراقية التي يشكّل فسيفساء ثقافتها تنوّع حضاري وقومي وعرقي وديني وطائفي، وهو تجاهل يقود بالضرورة إلي الاستبداد الثقافي اللاهث خلف الاستبداد السياسي.وأعتقد أن من العبث والتعسّف أن يتم تجاهل التداخل الثقافي بألوان مختلفة في نسيج المجتمع العراقي: من عرب وكرد وكلدان وآشوريين وفرس وشبك وسواهم، ينحدرون من مشارب دينية مختلفة: إسلامية ومسيحية وصابئية ويزيدية ويهودية، يتفرعون في طوائف دينية عديدة: سنة وشيعة وبروتستانت وأرثوذكس وسواهم، ينقسم سنتهم وشيعتهم إلي مذاهب.إن مثل هذا التشابك يفرز بالضرورة ثقافة أخري هي غير ثقافة بلد عربي آخر، غالبية سكانه مسلمون سنّة ولا يوجد فيه مسيحي واحد. كما أن الإرث الحضاري السومري والبابلي والآشوري والكلداني للعراق وتفاعله مع الجوار الفارسي والتركي يهيّئه لئن يتبلور ثقافياً علي غير ما يكون عليه المجتمع المصري - علي سبيل المثال - الذي يستند في حضوره المعاصر إلي حضارته الفرعونية. هذا إضافة إلي ما تخلّفه التغيّرات الكبيرة في العصر الحديث من انعطافات في مجري تبلور الخصوصيات الثقافية طبقاً لمستوي التفاعل مع هذه التغيرات.ونعود لنقول أن الحضارة العربية (الإسلامية) هي الفضاء الأوسع الذي تدور في فلكه خصوصيات كثيرة، لا تتنافر مع هذا الفضاء ولا تنسلخ عن فرادتها الثقافية.وإذا تحدثنا عن الوسيط و المحمول فإن اللغة العربية، في هذا السياق، تمثّل وسيطاً لنقل المحمول الثقافي بجميع خصوصياته، مثلما هي الحال بالنسبة للغة الانجليزية. واللغة العربية - كما هو معلوم - وسيط حضاري لنقل ثقافات أخري لأقوام غير عربية مثل الكرد (في العراق) والبربر في الجزائر، حيث تعيق ظروف معقّدة كثيرة، ذاتية وموضوعية، اللغتين الكردية والأمازيغية من الانتشار الثقافي كوسيطأما الدوافع السياسية لقراءة الظواهر والأشياء والتمظهرات الثقافية هي - كليّاً - غير عناصر القراءة الثقافية. وما يُراد له أيديولوجياً أن يرسّخ تماسك البلدان العربية ككتلة ثقافية واحدة تحت مظلّة "الثقافة العربية" هو غير ما يفرزه الواقع من خصوصيات ثقافية في المنطقة العربية .وليس مشيناً علي الإطلاق القول بثقافةمصرية وأخري لبنانية وثالثة عراقية، ومغاربية لأن القول بذلك ليس تطاولاً علي العروبة أو الإنسانية ، وإنما هو تصنيف واقعي للثقافة: في هذا المكان بالتحديد.. وهذا الزمان بالتحديد.نقول ذلك رغم إدراكنا لانهيار الحدود الثقافية في العالم أجمع وزحف الثقافات الكبري المتمكنة من وسائل الاتصالات والإعلام والتكنولوجيا. وبدلاً من أن تكون الجغرافيا القومية فضاءً ثقافياً تتحرك فيه ثقافات كثيرة، أصبح العالم كله فضاءً عولمياً تتزاحم (وتتصارع) فيه مختلف الثقافات، تدافع كل منها عن خصوصيتها،