ما أجمل الأنا لك يابغداد

ما أجمل الأنا لك يابغداد

الجمعة، 29 فبراير 2008

أمال عواد رضوان تنفض الغبارعن متحف الفم المكابر

أنفضُ الغُبارَ عَن مَتحفِ فَمِك
آمال عواد رضوان
أَأقولُ : تَعالَ لِتمْلأَ دِنانَ لَحَظاتِكَ بأَطيابِ عِشْقِي ؟
أم أقولُ : احذرْ أن تُحْرِقَ أصابعَ قلبِكَ بأبْخرةِ شَوْقي ؟*
أيا ساحرَ كلماتي :دَعْني أَتراقصُ على إيقاعِ عشقِكَ المُتهافِj
دَعْني أشدوكَ صَلاةَ لَوْعَةٍ تَعْبقُ حياةً بسحرِك ..
قُلْ لي : كيفَ أرسُمُ لَوحَاتيعَلى خِبَاءِ صَدْرِكَ /
صَدْرِ حَياتي وأنا أَرى أقمارَكَ تُنافِرُ مَجَرَّاتي ؟
*كيفَ أَرسُمُكَ وأرسُمُني ومَداراتُ عِشْقِكَ تَتَوَعَّدُ أصْداءَ صَمْتي
وتَغْزو مَداراتي هَباءً ؟
*يا خِشْيَتي مِنْكَ وَعَليْكَ إنْ تَلتحَمْ أكوانُ كَلَفِكَ بِضُلوعِ جِنَاني*
أقولُ لا تَدْنُ مِن مُروجي فَما اخضِرارُ بَتْلاتي سِوى سَرابٍ يَخلِبُ لِحَاظَ القِلوبَ
ويَفتنُ مَجسَّاتِ العُقول ؟
*
أأقولُ :مَثَلي أنا مَثَلُ الأقْمارِتَتَألَّقُ نوراً وبَهاءًوفي بَواطِنِها
خُواءُ مَحاراتِ ذَابِلَة ؟
*
أأقولُ :
ها هي يَنابيعُ قلبي
تَفيضُ حُبّاً جامِحاً
سَرعانَ ما تعْتريهِ نَوباتُ ذُهول ؟
*
أشُموسُ عُمْري ..
- يا عُمْري -
تَتَوَهَّجُ حَنيناً إليْكَ
ولَشَدِّ ما تَخشَى عليْكَ
أن يَغزُوَها أُفولُ الكَواكِب ؟
*
مَن مِثلُكَ يَقْرَأُني حِينَ أَبوحُ بأَعذب تَراتيلِ الصَّمْت ؟
دَعْني أتربَّعُ على عُروشِ الغَمامِ ..
عَبَثاً لَو حَاوَلْتَ اسْتِمْطَاريحتَّى
وإنْ رَمَتْني أَصَابُعُ ريَاحِكَ بِبرُوقِ ظَمَئِك
*بَرِّيَّةٌ أنَا ..أَخْشَى عَليكَ مِن عَصْفي مِن مُرِّ قَطْري ومِن شَظايَا صَقِيعي *
دَعْني- حَبِيبَ الرُّوح -أَغْسِلُ سَفرَ وجهِكَ بأَطْهَرِ دُموعِ رهامي
وأَنفُضُ الغُبارَ عَن مَتْحَفِ فَمِك أَجعلُكَ آنِيةً شَفِيفَةًنَتمَاوَجُ في صَفائِهَا *
آهٍ لأنْهارِ عِشْقي كم تَزْخَرُ بِالشَّوْقِ الحارقِ إلَيْكَ
وَعَلى ضِفَافِ شَفَتَيَّ تَنْحَسِرُ لَهَفاتي*
سُيولِ يَديْكَ تَصُبُّ في بُحَيْراتي صَبابَتَها
وتُغْرقُني بِطُوفَانِها *
عَلى ضِفَافِ رُوحِكَ تَنْمُو أَشْجارُ تَوهُّجي
تَثِجُني هَالاتُها البَريَّةُولا تُزْهِرُ .. إِلاَّك
غُصُونُها زَاهِيَةٌ بِكَ مُثْقَلَةٌ بِثمَارِكَ
لِكُلِّ عُودٍ عُصَارُهُ وأَنتَ أشْهَى عُصَاري .

الأحد، 27 يناير 2008

ظهيرة اليقظة من ظهيرة اليقظة






ظهيرة اليقظة


؛؛أنا مضطر إذن لتمضية أيامى المتبقية متشردا فى التعب والحرمان مع احتمال وحيد هو الموت تعبا ؛؛
من رسائل رامبوإلى أهله فى 20أغسطس1887
؛؛ عند الإنفجار تكون النار ، وعند النار يكون كل شىء واضحا للعيان؛
مثل روسى


لما أجلسونى على كرسى خشبى غير مرتفع كنت مازلت مشتت الأفكار وموزع الهموم والدنيا برد على الآخر خارج الغرفة وكنت أرتعش من شدته لأنهم خلعوا عنى كل ملابسى وألبسونى قميصا مغلقا على بطنى ومشقوقا من الخلف وربطوه برباط واحد خلف رقبتى فيكون ظهرى بكامله عريانا حتى مؤخرتى لم يتركوا لها شيئا يسترهاوأنا كنت فى شدة الخجل من البنات النحيفات اللاتى يرحن ويجئن وكان إبنى وهو واقف على سلم دارنا فى الصباح وهم ينزلونى مسنودا بأيديهم ويركبونى الميكروباص قد قال لى بابا فقلت له متشجعا نعم قال باى باى فنزلت دموع أمى التى تطيعها فى هكذا مواقف وتسمرت زوجتى على درجة السلم الأخيرة وعيناها واسعتان جدا جامدة النظرات نحوى وسحتا بالدموع لما صاح أخى الذى يلينى فى ترتيب الأخوةفى سائق الميكروباص أن يركب مكانه ويطلع بسيارته من هنا لأن نسوان الشارع كن بدأن فى التجمع فبلعت أمى كلمات الوداع غصبا عنها ونهنهت زوجتى وهى تضع رأس إبنى تحت إبطيهاوكان يلوح بيده للقاعدين فى الميكروباص حولى وكنا لما وصلنا للمستشفى مبكرين حسب ماقال لنا الدكتور كان نور الكهرباء مشتعلا ما يزال فى المدخل الوسيع ونور النهار لم يدخل بعد وبنات حلوات جدا نحيفات جدا يرحن ويجئن أمامنا والبنت الوحيدة الثخينة بعض الشىء التى خلف حاجز زجاجى بجوار المدخل وبجوارها دفاتر طويلة وعدة تليفون بيضاء مستطيلة فى بطنها الأرقام كانت تبتسم لنا وحاول واحد من التابعين مغازلتها فتجهمت وأشارت على أخى الذى يلينى فى ترتيب الأخوة أن يأخذ جماعتنا ويصعدوا للطابق الثانى الذى فيه غرفتنا التى حجزت من أجلى منذ ليلة الأمس كى أنام بها بعد إجراء الجراحة وكانت السماء تخر ماءا كثيرا فى الخارج وأحذية جماعتنا بلاستيكية ذات رقاب طويلة يلتصق وحلها بدرجات السلم الرخامية التى مافرغت من تنظيفه بعد تلك المرأة ذات الأرداف الضخمة والمستديرةوالرقبة الملفوفة والصدر الذى يملأه فردتى ثدى كبيرتين ولما تبرمت وتحسرت على انحناءاتهاالمبكرة وتجمد أطراف أصابعها من برد ماء الغسيل دس فى يدها واحد من جماعتنا جنيها صحيحا فدعت له بالصحة ولمريضهم الذى هو أنا بالشفاء وأن يعود لداره وعياله مجبور الخاطرولا أدرى لماذا لم أهنأ بتلك الدعوات بل شممت فيها غير رائحة الاطمئنان فقدكانت تسيطر على دماغى وفى داخلى منذ قال لنا الدكتور لابد من عملية جراحية صورة واحدة أن الآلام التى ألاقيهافى ساقى الشمال والتى ينوء باحتمالها بشرمثلى هى عقاب على ذنوب كثيرةوكبيرة عملتها فى حياتى وأنا الآن فى مدخل العقد الخامس فالغريب أن هذه الذنوب صغرت أم كبرت هى الآن حاضرة أمام عينى فى تلك الساعة وأنا جالس وحدى منطوى على نفسى رأسى ساقطة فى كفى وبلا إرادة منى تروح وتجىء الخيالات التى أوسع لها الطريق إلى رأسى إنصراف أخى الذى يلينى فى ترتيب الأخوة ومن منعه فى ترتيب أمورهم فمنهم واحد رجع للبيت ليأتى بأغطية إضافية وآخر ذهب لإعلام أحد الأعمام الذى يسكن قريبا من المستشفى منذ صغره وله دكان بقالة كبير وأولاد كى لايفوته أداء واجب فى مثل تلك الحالات ومنهم واحد جالس عند الدكتور بعيادته ينتظره كى يكتب قائمة بمستلزمات العملية الجراحيةالتى يشترونها من الصيدليةبالطابق الأرضى بنفس العمارة التى تقع بها المستشفى والتى تحتل شقتين كاملتين فيهاواسعتان ومجهزتان تجهيزا محترما جدا ولما كنت أنا غطسانا فى الأفكار لا أهنأ باستمرار الإمعان فيها فترة لكثرة هروبها وتداخلها فقد أجد فرصة لكى أغير لعاب الأفكار السوداء حين تدخل البنت النحيفة المحشورة فى قميص أبيض طويل وسروال ملصوق بساقيها وبالكاد يسمعنى صوتها وشدت ذراعى الأيسربرفق وشمرت كم جلبابى ولفت شريطا جلديا فوق زندى ووضعت تحته قرصا معدنيا يتصل بخرطوم أسود رفيع وبمؤخرته كرة مطاطية تضغط عليها فينتفخ الشريط حول زندى وتعدل من وضع طرفين معدنيين فى طبلتى أذنيها وتنجذب نظراتها الضعيفة الهادئة نحو قرص يرتعش بداخله إشارةسوداء فوق أرقام دائرية وكنت قد ارتحت لملامحها الحلوة فقلت ياسبحان الله فبحلقت بعينيها وعرفت وقتها أنهما جميلتان وأنها طيبة فتشجعت وقلت لها تعرفى؟ فزامت بشفتيها وقالت أعرف ماذا؟ فقلت يدك ولا المرهم ففكت الشريط الذى حول زندى وضربتنى برفق بأصابعها الرفيعة الرقيقةوقالت هل أنت مريض بتعجب باسم وقلت فى نفسى ساعتها لو لم أكن مريضا أو أستعد لعملية جراحية فى عمودى الفقرى لكان زمانة سرحت بها وأكلت بعقلها حلاوة فأنا والحق يقال لى باع طويل وأملك مهارة عالية فى هذه المسائل وغلبتنى رغبة إحصاء وتعداد من أوقعتهن فى شباكى ورسمت عليهن لعبة الحبيب الولهان فوجدتهن تسعا وقلت لو كان الظرف مناسبا لكانت هذه البنت النحيفة هى العاشرة هذا طبعا و زوجتى أم عيالى ليست فى عدادهن فقصة زواجنا طويلة وشاقة واستحضارها الآن غير سهل لأن كل وقائعها فى صالحى وكل الذى يلف أمام عينى وفى رأسى الآن الحكايات التى تؤلمنى وتخجلنى وكنت أخفيها بمهارة عالية جدا عن كل من يعرفنى ولكن وساعة مثل هذه الساعة أنا موقن أنها قد لا تتكرر ورصيدى الطيب قليل قليل جدا لا يزكينى أمام رحمة السماء أن تكون بجوارى وقت إجراء الجراحة فى عمودى الفقرى من أسفل بين الفقرتين الرابعة والخامسة من الفقرات القطنية وتثقل صورة السيد ابن خالتى عائشة وتضغط على دماغى منذ أن قال الأطباء إن انزلاق الغضروف يلزمه جراحةعاجلة وكان السيد أجروا له هذه الجراحة فى مستشفى الدمرداش ومات وهو هناك والسيد كان ولد طيب وفالح جدا ومحبوب جدا لأنه كان نجار شاطر وكان أصحابه من سن آبائنا أما أنا فحياتى كلها لا أحد يعلم تصرفاتى فيها إلا ربنا سبحانه وتعالى كلها ذنوب عملتها بقصد ومن غير قصد حتى صلاة الفروض الخمسة لاأصليها أبدا لما أكون لوحدى ولما أكون مزنوق ولامفر منها فيكون على أى حال سواء أكنت متوضئا أم غير غير متوضىء واقوم بها على أكمل وجه وبصوت متهدج خاشع والسيد ابن خالتى عائشة كان عندنا بالدار قبل سفره لمصر بأيام قليلة لأنه كان يجهز بنفسه جهاز أختى الثانية التى تأجل زواجها وعرسها لوفاته وكنا سهرانين حوله وهو كان يحب يحكى لى مغامراته مع نسوان معروفات بالمشى البطال فى بلدنا وأنا كنت أصدق ما يقوله لأنى كنت أعرف واحدة منهن وكنت لا أحكى أبدا عن وصالى معها وكان هو دائم الشكوى من وجع فى سلسلة ظهره ويقول إن الوجع نزل هذه الأيام فى ساقه وأنه يعرف السبب لهذا الوجع فمنذ ساعة رجوعه من عند حنيفة بنت البرقوقى وهو حاسس بقرف وغثيان يملأ معدته وحلقه ورأسه ثقيلة وتدق ومفاصله كلها توجعه لأنه نام معها نومة الرجل مع زوجته وكان دمها سايح يملأ حوضها وكلما أحب أبعد صورته تغالب كل الصور وتتشبث بخيالى لأنى وقعت بنفس المحظور مرة أيضا مع واحدة ويكبر خوفى من لحظة داخل أنا فيها وفى مواجهتها ولا أذكر شيئا طيبا واحدا فى حياتى ولما كنت فى بلد عربى أعمل فى صحيفة يومية رسمية كان الخطاط السودانى سنوسى صديقى جدا وكنت دائم الإصابة بالملاريابسبب بعوضة مشهورة هناك وكنت أرقد بسببها الرقدة التى ينهد لها حيلى وعافيتى وكان سنوسى فى كل مرة يقول لى كفارة يازول أتمثله الآن بأصابعه السمراء الرفيعة يدس مسحوق الشمة من علبة بلاستيكية صغيرة بين شفتيه وأسنانه من أسفل ويقول كفارة يازول وأنا لا أصدقه فهذه المرة لن يكون ألم ساقى ووجع قناة ظهرة الرهيب كفارة عن ذنوبى التى كانت تهب كلها وقت يقولها لى هناك ولن يكون شق قناة ظهرى وإزالة الإنزلاق الغضروفى كما قال الدكتور بسبب حقنة البنج منذ أعوام لما كنت أستأصل البواسير التى تحرق مؤخرتى وكانت تلهب فتحتها السفلى كل صباح ولماكان يطول جلوسى وتسخن فتحة مؤخرتى لوكانت الحكاية حكاية ألم فالأمر يهون ولكن السيد ابن خالتى عائشة يسيطر على خيالى والدكتور ليلة البارحة قال وهو يستغرب من تشاؤمى سأتواضع وأعمل لك العملية الجراحيةوكأنها نزهة لما لمح فى نظراتى وتحسس من كلامى عدم اطمئنان أو ثقة لأنه كان نحيف وملامحه تقول إنه صغيرفى السن وكان الذين يزورونى فى الأيام الفائتة يتشاورون حولى وأنا نائم بضرورة عمل العملية فى الإسكندرية عند دكتور هناك مشهور جدا وكان منهم واحد يقول خلليها على الله كله حسب نصيب المريض لا شطارة دكتور ولا شهرته وأنا كنت أقلب أمرا آخر برأسى لأن اختيار المكان فى النهاية متروك لى وحدى إرضاء لمريض يتألم ورفعا من روحه المعنوية من قبل أهله وأنا خائف من تعب جماعتنا وبهدلتهم وقرف زوجتى فى السفر من بلدنا على الإسكندرية ولما كنت مقدرا فشل العملية الجراحية قبل نجاحها وحاسب حساب نقلى ميتا من بعيد لبلدنا المنصورة يكون سهلا عليهم لو تمت الحكاية كلها فى المنصورة فقلت فى المنصورة وطلعت أمى فى وسط الكلام برغم أن أبى حرج عليها أن تتكلم فى حضرة الرجال وقالت إن لبخة البيض والعدس الأصفر ضيعت وجع محمد ابن السروجى الذى يشبه وجعى وأن المرأة الأعرابية فى الدراكسة البعيدة عن بلدنا قليلا يدها مبروكة وفى هذه المرة كاد أبى ينحاز لرأيها لحاجة فى نفسه قدرتها أنا بضخامة تكاليف العملية عليهم وقدرها الجالسون حولى بطريقة تفكير أهالينا المرتبطة بالخرافة والوصفات البلدى وعدم الإيمان كثيرا بالطب الحديث وكان لما تم تحديد موعد العملية مع دكتور الاسكندريةبعد شهر وأيام خمسة شعرت براحة بينى وبين نفسى رغم الألم الذى يضخ فى فخذى وساقى من العصعوص حتى أظافر رجلى وكنت أمنى نفسى بالاستمتاع بهذاالشهر والأيام الخمسة مع إبنى وابنتى وزوجتى التى كانت تستجيب لى على غير عادتها بعد أن تفرغ الدار من الزواروكان هذا يحز فى نفسى كثيرا لأن استجابتها لى خروجا على غير عادتها فى طلوع روحى قبل كل رغبة فى المواقعة أنها كانت تقدر الأمر خطير ونهائى هى الأخرى ولابد من إرضائى فى أيامى الأخيرة وكنت مستسلما جدا لتلك الحالة الكئيبة ولهذا الخيط الفاجع الذى يتصل بينناوعلى غير عادتها تشعرنى بقوتى التى لم تمتدحها مرة واحدة طوال حياتنا معا وكنت أقبل إطراءها بتخاذل شديد وأدخل نفسى فى بوابة حزن وقناعة بعدالة الجزاء الذى ألقاه بالألم والعقاب الذى سأحصل عليه بفشل العملية الجراحيةالمتوقع وكانوا هم تركونى وحيدا منطويا على نفسى فوق السرير الذى سيستقبلنى بعد العملية ونزلوا إلى الإستقبال فى الدور الأول ليتفرجوا أو ليستعجلوا الدكتور لأنه تأخرعن موعده ولما عادت البنت النحيفة مرة ثانية كان بصحبتها أخرى بنفس ملابسها لكن وجهها مدور ومؤخرتها مشدودة بتحد ظاهر بحزام فوق وسطها عرفت ذلك لما استدارت تقفل الباب من الداخل بينما زميلتها النحيفة تضع عودا زجاجيا رفيعا تحت لسانى أمسكته بطرف شفتى ويأصابعى لما غلبتنى رغبتى فى الكلام معهما وقلت فى نفسىحتى وأنت مقبل على حافة خطرة بين الأمبل الباهت والرجاء الواسع يغالبك اشتهاؤك لهن ؟ فوجمت وأعدت العود الزجاجى تحت لسانى فقالت صاحبة المؤخرة المشدودة مالك ؟أنت خائف؟ جاهدت نفسى التعلق بالمرح والظرف كى أترك ذكرى حلوة عنى فى نفسها فقلت لا هاتى شالك وحزمينى كى أرقص لك عشرة بلدى فتبسمت ضاحكة من قولى ومدت لى ورقة مربعة داخل غلاف بلاستيكى وقلما وقالت وقع بإسمك هنا ورقم بطاقتك فوجمت مرة أخرى لما هو مكتوب بالورقة وفيها إقرار على نفسى بأنى سأجرى جراحة انزلاق غضروفى بموافقتى وقلت وماذا يفيد توقيعى لو حدث لى ماأتوقعه وأكرههه؟ وسكت ولم أفصح لها عن بقية هواجسى وحقيقتها وهى قالت لى كى لا تقاضينا وهذه إجراءات المستشفى وليس لها علاقة بالأمر وبرمت بوزها والحروف كانت تخرج من أنفها مكبوسة وزهقانة وقالت وهى تقرأ الفاتحة وتتعجل أمرها أو كأن أحد يطاردهاوماتنساش تقرأ الفاتحة وتصلى على النبى وتعب وساعة واحدة ولا تعب العمرفوقعت بتوقيعى ولم أتذكر رقم بطاقتى ولم أستطع قراءة الفاتحةمباشرةبل كنت لفترة ساهما محلقا داخلى وتهجم على رأسى هواجس من جديد تجرجر ذنوبى وأوساخ عمر أراها فى ذيلها التى سيكون مقابلهاحسبما أرى اليو م من آلام هائلة إن لم تكن النهاية التى يتيتم بعدها طفلاى وتهجم صورة رمادية قلقة أمام عينى عن حياة ما بعد رحيلى وخروجى من هذه الدنيا وسيعتقد الجميع أنه أجل ومكتوب فى لوحى المحفوظ لايقدر الإنسان تقديمه لحظة ولا تأخيره أخرى وسيثرثركثيرون فى مأتمى بأمور كثيرة أحمد الله أن أحدا لن يقول إن البر استراح من شره ومن أفعاله فالكل يعرفنى مسالما منطويا على نفسى فى غالب الأحيان وصلتى بالآخرين باهتة رغم بعض الحماقات التى لم يتضرر منها مخلوق غيرى ولا يعرف أحد عن ذنوبى وشرورى شيئا ولما كان أخى الذى يلينى فى ترتيب الأخوة يعاودنى بين لحظة وأخرى وخلفه بعض من جماعتنا ليأخذوا منى الرأى فى بعض الأمور قبل دخولى غرفة العمليات رغم علمهم بأنه ليس لهم حاجة فى مشورتى لهذا كنت أحسب الأمر هين وسهل ولما كنت ألمح شيئا من الثقة الثابتة فى عيون البنات النحيفات كنت أقول فى نفسى أنت تضخم الأمور ياولد وجراحة مثل جراحتك أجريت للآلاف مثلك ولن تكون فأر تجارب كما قلت للدكتور ليلة الكشف عليك ويتوقف فضاء فزعى دفعة واحدة تهبط ستائر من الندى والإطمئنان والتعلق بالرجاء إن صحوت من توهة العملية وقدر الله لى العودة سالما غانما مجبور ألخاطر أن أكفر عن كل ذنوبى التى عملتها طوال عمرى وهى كثيرة وستكون توبتى هذه المرة هى الأخيرة توبة نصوحة وسأنتهز أى فرصة ولا أفوت فرضا واجبا فكثيرا ما أفطرت أياما من رمضان بسبب ذنب صغير أو كبير وكنت أمنع نفسى عن الأكل والشرب وأردد الدعاء بخشوع وقت آذان المغرب وسط الجميع ولن أترك فرض صلاة واحدة وسأتصدق فى حدود ما فى جيبى على أسماء أعرفها فى رأسى جيدا وسأعيد إجادة حفظ القرآن كما كنت صغيرا وقد تركته منذ عشرين عاما أو يزيد وكان الشيخ سيد أبو ليلة يقول لنا إن القرآن ينذر تاركه قائلا من تركنى ساعة تركته يوما ومن تركنى يوما تركته أسبوعا ومن تركنى أسبوعا تركته شهرا ومن تركنى شهرا تركته عاما ومن تركنى عاما تركته العمر كله وأنا سأعيد حفظه من جديد والحكاية أن إحساسى بالذنب كله يكمن فى هذا فمنذ صغرى ورغم حفظى للقرآن بسنوات الصبا والشباب الأول وفهمى لمعانيه العامة بحكم دراستى الدينية حتى المرحلة الثانوية كنت أخطىء الأخطاء التى ينهى عنها بشدة حتى أنها كانت تقع وأنا أحمله بجيبى والبنت النحيفة التى جعلتنى أوقع بإسمى ورقم بطاقتى على ورقة قالت بنا يا أستاذتفضل فمشيت خلفها منكس الرأس وكأنى أمر بسرداب طويل ضيق مظلم منخفض السقف ليس به هواء وكان كل جماعتنا واقفين لما عرفوا بدخولى على جانبى الممر المؤدى لغرفة العمليات ويملأون الاستراحة التى بالمدخل الذى مايزال مضاءا بنور الكهرباء وكانوا واجمين جدا وطلع صوت واحد من أعمامى وقال شد حيلك يابطل وارجع لنا زى الحصان ربنا إن شاء الله هيخضرها لك ولما خلعوا عنى ثيابى كلها من أعلى لأسفل وكانت الدنيا برد عن آخرها قال لى الدكتور صاحب النظارةالمقعرة الذى يقارب عمره عمرى بردان ؟ فلم أستطع الرد عليه وأمسك بكفى بين يديه وضرب بأصابع يمناه على ظهر كفى اليسرى فقفزت عروقها وساعدته بنت ممتلئة قليلا وقصيرة بشكل لفت انتباهى عنهن وأدخل بعرق نافر إبرة معدنية طويلة تنتهى برأسين من البلاستيك الأخضرولها بوز طويل ويتصل بالرأس أنبوب رفيع يسحب الماء الذى بالزجاجةالمعلقة على عامود حديدى رفيع وكانت تحمله البنت التى تساعده ولم أر وجهها لأنى كنت مستلق على ظهرى فوق سرير مرتفع ووجهى للحائط وكانا يمشيان بجوارى والأنبوب متصل بظهر يدى اليسرى ودخلنا غرفة وسيعة جدا على بابها الوسيع جدا مراكيب بلاستيك شبكت واحدا فى أصابع رجلى بالعافية ودخلت مأخوذا جدا وتبخر كل شىء من رأسى وهربت الهواجس ولفتنى حالة تشبه انعددام الوزن والاتزان لا أشعر برأسى معى ولا أفكر بأى شىء والألم الذى كان يضخ فى ساقى تسلل خارجاولم أستطع لم محتويات الغرفةالتى أعمل لها منذ ساعات بل منذ أيام ألف حساب ورسمت لها مئات الصور ولم أعط فرصة لمناقشة كلام كان يدوربرأسى قبل دقائق مع الدكتور لأنه لاقانى بملامح غير التى لاقانى بها قبل يومين لم يضحك على تعليقاتى لم يمزح فقط قال توكل على الله وكانت حينها حالة من التلاشى ومن فقدان الحس وكان واحدا آخر يرتدى مثله وعلى أنفه وفمه شريط من قماش أخضرهكذا تحققت من لونه غرس شيئا فى فوهة الزجاجة التى يصل ماءها الى عروقى عبر الأنبوب وغرس آخر فى الرأس البلاستيكى بظهر كفى ارتعش جسدى كله بعدها وكانوا قد مددونى على منامةحديدية على جنبى الأيمن وقالوا توكل وسم الله وحاولت حواسى التنبه مما رأيت لحظتها لكن ما لبث أن غامت الدنيا كلها فى عينى وكنت أروح فى عالم آخر ونزل ستار كثيف على كثير من الهواجس ووجدت نفسى لا أعرف كم من الزمن مر على وأنا على هذه الحالة حتى نقلونى إلى تلك الغرفة التى لا أجد فيها سوى أنابيب بيضاء رفيعة مرشوقة فى ذراعى وخراطيم سوداء مضلعة بجوار رأسى واسطوانة حديدية طويلة قائمة بجوار سريرى وبنات تتشابه صورهن وصراخى المخنوق وشيئا فشيئا حرقة ألم باستطالة قناة ظهرى وعظام الحوض والفخذين تنفر ألما أيضا لكنه من نوع جد ووجع حارق والبنات يتضاحكن من تألمى نظراتهن لى فيها سخرية من صراخى ولا أستطيع تحريك رأسى لمتابعتهن وشيئا فشيئا يتصاعد غيظى منهن ولسانى بالكاد ينطق بأخى الذى يلينى فى ترتيب الأخوة الذى دخل متهللا منفرج الأسارير هذه المرة وكان لما يكثر زعيقى وتألمى تأتى واحدة منهن وقد اتضحت ملامحهن الآن تحقن بالأنبوب سائلا أروح بعده فى منامة قصيرة والليل يزحف ببطء وكل شىء حولى ساكن فقط صراخى هو الذى كان يجلجل وصراخ امرأة خارج الغرفة قال أخى الذى يلينى فى ترتيب الأخوة إنها تلد قيصريةوهل تزعق مثلها ؟ومئذنة الجامع الملاصق للمستشفى يرتفع فيه ابتهال يصل شغاف قلبى لأنه كان بصوت الشيخ النقشبندى الذى أهيم به عشقا فأتذكر يوم الأمس الذى كنت أتمنى أن أبقى ثابتا عنده ولا أدخل فى بوابة هذا اليوم الذى عملت له ألف حساب وتذكرت ذنوبى وآثامى وهى كثيرة لكنها لا تثقل على صدرى الآن وتمر فى الرأس ملامح كل من أوقعتهن فى حبال الحب ووقائع حكايا كثيرة معهن ولكن تقتحم الرأس بدون سابق إنذار صورة إبنى الواقف على سلم دارنا صباح الأمس وهم ينزلونى من السلم مسنودا بأياديهم ويركبونى الميكروباص لما قال لى بابا وأنا قلت له متشجعا نعم فقال باى باى

الخميس، 24 يناير 2008

ليلى آيت سعيد تكتب فى هوامشها العشوائية



هوامش عشوائية

وبعد.......؟
يا سيدة الأطياف
والمسافات البعيدة
بلا اختصار
أيتها الهائمة
فوق نواميس احتضاري
وطن أنا
بلا ذراعين تنفضان عنك التراب
وبعد.............؟
يا سيدة احتمالاتي
الفقر في جيبي قصيدة
وجيب القلب يسكنه الخراب
يا سيدة الأطياف
دعيني أتوسد جسدك الأبيض قليلا
قليلا بعد ..
فلا تسحبي عني وسادة الضباب
اجليني
اجليني بعينيك لبعض الوقت
لمفترق البعث
ارميني تحت أسوار السراب
وبعد.......؟
ماذا بعد ؟
وكل هذه الدموع
وهذا الوداع
ها يسكنني الفراغ
أيتها الهائمة في سماء احتضاري
قفي قليلا
تنحي قليلا
ها قد صرت إلى جوارك
وطنا من تراب
.....

الأربعاء، 23 يناير 2008


قمر للزمان المستحيل


ابراهيم جادالله


يوم أن صاحوا بها باكين مفزوعين ليخبروهاأن ساق إبنها البكر قد بترت فى مستشفى الجامعة منعا لتسرب لعنة المرض إلى بقية الجسد،وأنهم جاءوا بها ملفوفة مكفنة لتدفن فى مدافن البلد،أن حبة العين وفلذة الكبد وماء القلب حالته بين اليقظة الباهتة والإغماءة الرمادية بعد بتر الساق،وأن لعابه باسمها كان يجرى على شفتيه بين الحالتين، لم يهتز منها بدن ،ولم يرتعش فى وجهها جفن عين. بل ظلت على حالتها.يضرب منجلها الصلب المشحوذ حديثا وهى جالسة القرفصاء فى أعواد القمح فتتمايل فوق راحة يدها اليسرى،وتنتظم خلفها كومات من تلك الأعواد الصفراء اليابسة،وواصلت انكفاءتها،وما فى صوتها من هم،وما بصدرها من كدر كان نسيجه ذلك الإصرار والدأب من اليدين اللتين بدتا مرتعشتين تقبض إحداهما على المنجل والأخرى على ربطة أعواد القمح الصفراء المحشوشة،وواصلت وكانوا خلفها يتمرغون فى صمتها وحزنها ودأبها،ولما قاربت النهاية،ناولت منجلها لأحدهم،وفكت ربطة ثوبها الأسود من فوق خصرها،وأجهشت لداخلهاوهى تتقدمهم نحو الدار.
ويوم أن كان زفاف إبنها الثانى،ولم يتبق غيره وبنات ثلاث متزوجات،وقد كبر الولد راضعا سيرة أخيه وذكراه وحكاوى ألمه المغروزة فى غضون وجه الأم وكرمشات لحمه،ذهبت صغرى البنات تصحب فى يدها يتيمة الأب والأثيرة لدى جدتها،وكانت ساعة غروب،والشمس هناك تنحدر نحو أفق بعيد،والقمر من ناحية أخرى فارشا بياضه على الغيطان،والمياه التى تتسرب بالأرض حولها وهى منتصبة بقامتها الصلدة وسروالها المبروم على خاصرتها،وصاحت بها صغرى البنات،وتبعتها حفيدتها اليتيمة الأثيرة أن تخرج إليها فى مشورة.أحنت ظهرها وراحت ترفع وتزيح قبضات طين لتوسع مجارى للماء وتسهل لها جريانها لتغمر البقية الباقية،وكان قد وصل إليهما صوتها مجيبا فانتظراها على مضض.
ولما مدت يدها داخل سيالة قميصها المدفونة بسروالها لم تشعر باطمئنان،وصدق حدسهما.
أخرجت الأم لفافة جنيهات وناولتها صغرى البنات وطبطبت على كتفيها،وأخذت اليتيمة بين عضديها،وقالت إنها ستلحق بهما لما يكتمل رى الأرض،وأن عليهم شراء كافة مايطلبه الطباخ لطعام العرس شريطة أن تكون السمن من أجودها واللحم من أثمنها.
كان تسرب الماء فى الأرض الشراقى بطيئا.إذ قل وضعف منسوبه فى الترعة،وهى مرة من مرات قليلة تقف الأم فيها موزعة بين حالتين..أصوات الطبول وغناء النسوة والصبايا يأتى من بعيد قريب تكاد تميز غناء بناتها وبقية الأصوات،ورى الأرض الذى يقرب على الإكتمال،وراحت تستحث النتوءات،وتسوى بها البقع المنخفضة بيديها أمام بلل الماء الضعيف وأصوات الطبول والغناء فى عرس وحيدها الباقى تلعب فى الرأس،والقلب يتعالى وجيبه هذه الساعة،وأنفاسها تعلو وتهبط،والقمر يدخل دائرة المنتصف . فبانت الأشجار والسكك والقنوات والبيوت غير البعيدة،ولما داست بقدميها،وأحكمت ري أرضها .أطبقت بكفيها على خاصرتها متوجعة ولاحت فى عينيها حصيرة الماء تفرش استطالة الأرض وسط غيطان الجيران الذين يكابدون إتمام ري أراضيهم لا يزالون .فغمرها رضى وامتنان،واتسع قلبها للخاتمةالمريحة.
غسلت وجهها وقدميها المبللتين بينما كانت الأصوات المغنية ودقات الطبول غير البعيدة تتلاشى شيئا فشئا مع تقدم خطواتها نحوها كان مقدم العجلة اللبانى بنت الجاموسة الكبيرة ( وش الخير ) والتى فى مقتبل عشارها ، وتحظى بمكانة حميمة فى القلب بشرى طيبة لنزولها من بطن أمها دون عناء ، ولم يستدع الجساس مفشى الأسرار ككل ولادة بينما تظل العائلة كلها محبوسة الأنفاس ، قابضين على قلوبهم كى لا تفط من صدورهم خوفا وهو يكابد ليلة بطولها وسط بركة من الروث المخلوط بالبول والقش لإخراج وليدها منها ، قاموا من ليلتهم فجرا ، وقد أيقظتهم الأم فرحة باشة تصيح فى البنات أن يدسسن بفوهة الفرن دريسا جافا ليحمص ، ويشحذون سكينة الدار الوحيدة كى يقلموا حوافرها ، وكانت الجاموسة الأم يتدلى من مؤخرتها خيوط مشيمتها ، وتلعق جسد وليدتها المبلل والراقدة على أربعيتيها فى استسلام ، وتدفعها ببوزهافى حنان كى تساعدها على النهوض.
ولما حان عشارها وشبت . خرجت من نن العين حين كان يسحبها تاجر المواشى من مقودها خارجا بها من الزريبة بعد أن أجبرت الأم على بيعها درءا للحاجة ، ولاستكمال نفقات عرس إبنها الذى غافلها وشب عن طوقه وصار جديرا بالتأهل للزواج، وكانت هى ملهية عنه بتدبير الأمور سنوات طوال بعد ولدها البكر وزوجها الذى اعتلت صحته ورحل ساخرا من قساوة الدنيا وغلبتها ، ولما باغتها إبنها بالبهجة ،وأن أبنة أخيها هى المراد ومنتهى الأمل له . قالت : - هو المراد من رب العباد، ورخص الغالى من أجلهما ، وفوضت الأمر لله ، وعقدت الأمل على ( وش الخير ) الجاموسة الكبيرة. فمن نسلها تزوجت البنات والغالى الذى رحل ، ومن لبنها يبيعون ويطهون ويشترون ، وهى الأحق بالرعاية ، فهى عكازهم وقت الضعف ، ودليلهم وفرجهم عند الضيق ، ولما قالوا لها نزرع أرض الحوض الغربى فولا نلمه أخضرا ونبيعه يوميا فى سوق المدينة القريبة. قالت بالصوت الحاد الجارح :- سنزرعها برسيما لوش الخير شتاءا ، والبطن الأخيرة منها نحشها دريسا ليكون علفها صيفا ، فرضخوا لها قانعين ، وأصبحت الجاموسة الكبيرة المحظية بكل رعاية واهتمام وحدب من أهل الدار تبعا للأم ولما انبلج نور صبح جديد ، قام الصغار يتململون ويمددون أعضاءهم ويتثاءبون ويدعكون عيونهم إلى غرفة جدتهم الموارب بابها قليلاوالمطفأ ضوؤها فأحدثوا جلبة تمغط على إثرها بقية من بالدار ، وكانت سحب دخان تتسلل من النوافذ المطلة على الزريبة
هرشت البنات بأظافرهن شعر الرأس وقاومن لذة عسيلة النوم ، وانسل الإبن من جوار زوجته إلى الزريبة مخمنا الأمر حيث كومة حطب تأكل النار من جوفها وتطقطق بها حصى الملح الغليظة ،والأم تجلس القرفصاء فى المزود الإسمنتى العالى أمام رأس الجاموسة ( وش الخير ) تدعك بحجر صغير قرنيها المقوسين وهى مستسلمة لها فى خدر لذيذ وتلعق بلسانها الذى يسيل اللعاب من تحته ، بينما يتدلى من مؤخرتها خيوط بيضاء غليظة ، والزريبة جافة تحت أظلافها الأربعة ومتربة ، ورائحة الدخان تعبىء الأركان ، رثى الإبن لحالها ، وأشار عليها باستدعاء عبد الرازق كلاف المحطة الخبير بولادات البهائم ، لمع فى عينيها أسى غريب وعتاب لا يقاوم ، قفزت من المزود بخفة شابة فى العشرين ، مشمرة الأكمام والسروال ، ورابطة طرف الثوب الأسود حول خصرها ، وراحت تدعك براحتيها ظهر الجاموسة وفخذيها وكفليها غير مبالية بقوله ، بل صاحت فى يتيمة الأب وقدميها تغوصان فى الوحل أن تحمص دريسا فى الفرن، وأن يقف هو عند رأس الجاموسة وبين ذراعيه المقطف الصغير وبه ردة ناعمة دافئة وفولا مدشوشا لتلعق بلسانها فيه ، بينما صارت هى خلفها تماما تضرب براحتيها على كفليها ، والجاموسة مرفوعة الرأس قلقة. حدقتاها مفتوحتان عن آخرهما ، تنعر وتزوغ نظراتها الواسعة الشاردة ، أدخلت الأم يدها اليمنى عن آخرها فى رحمها وهى تكز على أسنانها بعد أن بسملت وحوقلت وصلت على النبى المختار ، وفى ظلمة جوف الجاموسة الغائرة كان ساعدها يروح ويجىء ، بينما تضرب الجاموسة الأرض بخلفيتيها واحدة تلو الخرى وترفع مؤخرتها القلقة فى تشبث وألم، والأم تؤازرها بالصياح ، تروح وتجىء مع حركاتها القلقة ، ولما أطلقت الأم صرخة حائرة ولم يدرك الملتمون من أبناء الدار كنهها : - العجل مقلوب فى بطن أمه يا ولاد".
اندفع إبنها يفتح باب الزريبة على مصراعيه، وأطلق ساقيه راكضا كالمحموم وصدره يكاد يقفز كمه شىء ورائحة الندى المخيم على الغيطان المطلة على البيوت يملأ خياشيمه ، ورائحة النوم لا تزال راقدة داخل البيوت المغلقة الأبواب وسرعان ماعاد متقدما خطو عبد الرازق كلاف المحطةالمبروم الشارب والمستقيم القامة وطاقية الرأس ، وكانت الأم لا تزال تكابد فى خلفية الجاموسةالمفتوحة الرحم والتى تروغ وتنوش بذيلها وتضرب برأسها فى المزود الإسمنتى أمامها وآلام مخاض عسر تطفح على جلدها عرقا يغسل الجسد المنتفض ، أفسحت له الأم مكانا وتكومت متعبة أمام كومة الحطب الكامنة بها نيران تصهد على وجهها ، وراحت تجدد التماع النيران وطقطقات حبات الملح الغليظة ، وكان جيران فى يقظة صباحهم قد خمنوا الأمر فتوافدوا معاتبينها، بينما عبد الرازق ينزع ساعده المشمر من رحم الجاموسة المنتفخ وذعر مفاجىء يصبغ وجهه.
:- الجاموسة لازم تنقلب على ضهرها مرتين أو تلاتة
قالها وهو يشد وثاقها على رجليها الأماميتين مع وثاق آخر فى الخلف ، وزعق زعقة واحدة فيمن التم حوله من رجال . على إثرها انقلبت الجاموسة على ظهرها ، والأم ملهية فى إذكاء نيران الحطب مستغرقة فى هم كبير وقلبها يتصاعد فقراته بداخلها ، والرجال يتكاتفون فى طرح الجاموسة مرات على ظهرها وأقدامهم تغوص فى روثها ، بينما يدخل عبد الرازق ساعده مرة أخيرة وطرف حبل بأطراف أصابعه ، راح يتلوى يمينا وشمالا وقوفا وجلوسا وركوعا خلفها ولسانه قد استراح فوق شفته السفلى ، وناول الحبل لمن حوله .
:- شد على مهلك ، وقول يا ام العواجز ، ياسيدة زينب ، ياطاهرة .
أطل رلأس صغير جاحظ العينين وهو يسحبه بحنكة ودراية حتى صار ظهر الوليد محشورا من منتصفه بالرحم المجهد ، فهبت الأم من تكومها أمام النار مذعورة تضرب صدرها بحسرة.
:- عليك العوض يارب .. ميت ؟
واندفعت تطوق رأس الجاموسة بذراعيهاوتمسح عنها كفليها ورقبتها وتمد لها يدا جافة خشنة تلعق بها ، وقد أرخت رأسها بين قرنى الجاموسة المقوسين ، وكانت الدموع تترقرق فى حبتى عينيها

الثلاثاء، 22 يناير 2008

علشان كنا رجالة ، ووقفنا وقفة رجالة؟


هل ستكون الحسرة حالنا يابوسويلم؟

علشان كنا رجالة ، ووقفنا وقفة رجالة؟

طيب

وإيه رأيك يا نموذجى العزير حين يعايرك أحدهم بأيام كنا فيها رجالة ، ووقفنا وقفة رجالة ؟

تقول إيه بحق النبى شفيعك؟

قالتهالى بنت جسورة جدا وأسيانة لحصاد عمرى الطويل : يعنى كان لازم تبقوا رجالة ، وتقفوا وقفة رجالة ؟

لكن الأقسى على روحى يابوسويلم

واحدة تانية.. ياما مديت ليها الإيد آخد بإيدها ، وعشان تقاعس قهرى عن تلبية مطلب ملح وضرورى فعلا ليها ، تقول لى بشماتة

- كل واحد يخليه راجل مع نفسه مره واحدة بس‏

تصور يابو سويلم الجرح يبقى شكله إيه ساعتها؟

لكن

كما كنا رجالة

ووقفنا وقفة رجالة

سيظل صوتك الحامل دفء صدورنا ملتصق بالشغاف، وسيبقى زيتا لقناديل روحى المستمدة من

علشان كنا رجالة ، ووقفنا وقفة رجالة

الخميس، 17 يناير 2008

أسمع جعجعة ولا أرى طحنا

لن أكون كمن يدخل أصبعه فى عين من يمد له يدا فى فمه بالطعام
ولكنى مندهش من هكذا أمر.. تكرمنى تلك الجمعية القائمة على وهم يسكن الشبكة العنكبوتية، وهى لاتتوافر على قليل من إنتاجى وخطوات سيرى.. وهل تكفى بضع قصص أودراسات نشرت على صفحاتها لتعلن عن بذخ فى توزيع عطاياها الكريمة؟
ولله فى خلقه وما يفعلون شؤون

قصة أخرى من دائىة الموت فى كتابى ( من أوراق موت البنفسج )





ثنائية الموت والجنون




















مقدمة للموت

أمه تقول له:-فى الظلام المتكون. الملموم بجوار أبواب البيوت،والظلام الذى يسكن منتهى الحارات،والظلام المفروش فوق السطوح،والظلام الذى بداخل الناس.. عفريت كبير.يتقافز دوما.ينسخط ويتشكل من جديد فى كل مرة. مرة يبدو فى شكل مارد ضخم، الرأس فيه صغيرة.محلوقة .بل صلعاء،العضلات فى الذراعين القويين متكورة كالبطيخة،والأظافر فى أصابع اليدين والرجلين كسلاح محراث جدك الذى يبقر بطن الأرض ويمزقها.
أمه تقول له:-فى الخرابة المهجورة الواطئة عن ارتفاعات الحارات والأزقة،وفى زقاق الطاحونة القديمة. يسكن العفاريت والمردة والشياطين،ومحمد بن رومية فى النهار تراه يركض،ويركض.زوايا فمه تهرأت لكثرة الريالة،ذقنه وصدره يلمعان بسيل منها،وما قدم منها تجلط على ثيابه.فوق المقابر الماربة فى طرف القرية خلف صغار الكلاب والحمير والماعز يتقافز مثلهم حول الشواهد الحجرية الصغيرة.
أمه تقول له:- إن محمد بن رومية درويش..لكن لكل درويش طريقة،هو لايرتدى عمامة خضراء ملفوفة حول طاقية البفتة البيضاء كخالك سيد أحمد.أو ثوبا أبيض،ولا يمشى تحت ساريتين متقاطعتين فى مولد النبي كل سنة.أو مولد سيدي على العراقي،وخلفه المتمايلون والذكيرة والدفوف والصاجات الملتهبة والمنشد الضرير يزعق ببردة البوصيرى ،فالولد تدروش وأطلق نفسه على باب الله ولخق الله.
أمه تقول له:- إن محمد ابن رومية كان صغيرا مثلك يلعب بعرائس الطين خلف الأربع غنمات،وكان يتسلق شجرة التوت،أرسله أبوه مرة فى الليل يشترى له باكو معسل ماركة المشبك من دكان شفيقة أم الغريب.رأى مولدا وكلوبات وذكيرة ومزيكة حسب الله وطبلا ليلا تحت شجرة التوت قدام دار الطنطاوى مبروك،لحظتها فرح وطرب وتاه عن دكان أم الغريب وسقط من تذكره المعسل ماركة المشبك فاندفع يجرى والهيصة والمزيكة والذكيرة وأضواء الكلوبات،وكل الأشياء تهرب .بل تندفع فى الهرب تبعا لاندفاعه نحوها.
أمه تقول له:- من يومها وهو يجرى ومازال لحد هذه اللحظة.
أمه تقول له:- الأرانب التى تتقافز بالأجران فى ضوء القمر وأمام فوهاتأفران الخبيز خلف البيوت.عفاريت لكنها وديعة تؤنس رحلاتنا وجولاتنا الليلية بحارات وشقوق البلد.لكن لا تقترب منها.الإنسان صحيح هو سيد المخلوقات.لكن تجاوز الحد سلاح ذو حدين،مسموح لعيوننا أن ترى أن تبصر أن ترمش أن تدمعلإ التحديق،ومسموح للقلبأن يرتعش.فلا تداعب أرانب الليل فى أجران القرية،ولا تعانق الصبية الكثيفةالشعر المجدول الشجية الجمال التى تهب عليك فجأة من ماء الترعة أوالنهر وأنت تقضى حاجتك على حافتها أو تستحم بها.لا تغازلها،ولا تنبهر بها.بل كن فى حالة انزعاجك واضطرابك.
أمه تقول له، وما يزال كتاب قولها مفتوحا..متراص الحكاوى:- فى النهار ساعات ظلام تلك التى تنسى فيها ذكر الله وأنت تقضى حاجتك فى بيت الراحة أو بالدار أو الجامع،وفى الليل المقمر ظلام.أن تهزمه فلك أن تقبض على ورقة صفراء فيها آيات من كتاب الله، ففى الظلام الكائن الملموم بجوار أبواب البيوت، والظلام الساكن منتهى الحارات ، والظلام المفروش فوق السطوح، والظلام الذى بداخل الناس عفريت.
ويكبر الظلام فى رأس فؤاد الصغير الطفل.الصبى.الشاب..لم يسأل أمه مرة واحدة،ولم تغلق أمه فمها،ولا كتاب حكاويها المكتوب بماء العفاريت..كان مأخوذا دوما..موصولا ومشدودا إليها بخيط أسطورى له وقع كهنوتى رهيب يلف عنقه وصدره وكل كيانه،كانت تؤلمه حكاوى أمه.ترعشه، تلوع قلبه وتروعه.لكنه لم يطق النوم أبدا أو يقوى على استحضاره ،هذا المستعصى أبدا عن الاستحضار بدونها.أصبحت همه الأوحد ،طربه الموجع،وألمه الشجى.
والأم لاتتوقف عن بذر بقع الظلام فى أرض حكاويها،وفؤاد لايتوقف عن نزف رغبته فى التهام ماتحكيه أمه.أصبحت عذابه اللذيذ ولذته المعذبة.

هى مفتتح الجنون

كان الصراخ ثقيلا داكنا ومتفشيا باستطالة الترعة النصف ممتلئة بالمياة الشتوية الباردة. خمن كل من يسمع الصراخ متصاعدا إلى مايتسرب من ذاكرته التى هى ذاكرة القرية،وما يتسرب من الذاكرة كثير..لكن القرية بأكملها ،وكما هى العادة خرجت . صغار فى المقدمة ،والنساء ثم الرجال.حبو العجائز جاء متتابعنا بطيئا هو الآخر .
كانت قطع سحب فى السماء تتجمع وتتفرق وتتلاحق ،غيمة صغيرة تعتم مساحة من الفراغ الأخضر حول الجمع الزاعق .رجال نصف عرايا يتسلقون شاطىء الترعة المشعب يحملون جثة امرأة فى كامل الثياب .عيناها زائغتان بل جاحظتان،فكاها مطبقتان على قطعة منهوشة من ثوبها، شعرها غارق فى طين لزج واليدان والساقان متصلبتان باردتان،الوجه ممتقع ينضح بشاعة،طار فضول غزلته حكاوى الليالى المعتمة فى حجرات النوم الدافئة..الرؤوس المتمايلة المتهامسة ليست بشكل كامل للحدث.,موت امرأة بتلك الصورة أمر يدفع مراكب الأحزان النائمة فى حنايا صدور الناس لأن تقلع،وحين يتوهج الشجن فى حلوق الناس فإن ماضيا طويلا وعريقا منه يتواصل مع صورة الحاضر الآنية،ولكن هذة الجثة المحتقنة الملامح والمرمية على العشب الشتوى تغرز رعشة فى الملامح الفضولية،وحرقة شفقة فى العيون المبحلقة.
لكن شابا يدفع بفضول محموم الأجساد المتلاصقة المتراصةالملتفة حول الجثة،وفجأة تتسع المسافة مابين مركز إبصاره وبين الجثة المطلية بالفزع،والوجه الموشوم بالرهبة.قطع ثلج غليظة تنحشر فى تجويف حلقة الداخلى، يرقد لسانه فى قاع فمه.أسنانه القوية تعض على إبهامه بقسوة وهو لايدرى،وحين ربتت بعض الأكف على كتفيه كان كل الحشد ينتفض،وأشواكا حادة تلتصق به.تملأه، ينفر من حولها لهبا يتصاعد إلى الرأس الذى تصفر فيه ريح عاتية،وكأنه صحراء شاسعة تتسطح جغرافيتها ولا تحد،كان يمد يديه والأسى يأكل من عينيه مايأكل،يهم بأن يلقى بنفسه فوق الجثة..لكنه بنفس القدر يبتعد عنها..تغيم كل المرئيات فى عينيه،الترعةالنصف ممتلئة ينحسر مابها،وتظهر شقوق واسعة وخشنة فى قاعها.تصفر الأعشاب الشتوية اليانعة على شاطئيها،وتتجمر الأتربة الرتبة تحت قدميه،.ينتصب فى القاع صورة هلامية لصبية كثيفة الشعر المجدول خلف ظهرها،تتغضن ملامحها ويتساقط شعرها الذى تحول إلى بياض كتانى خشن،ويتناسل من بين فخديها.عشرات،مئات،آلاف الصبايا المتشابهات.
يشهق فؤاد شهقة عالية غليظة مشروخة فتفزع الأجساد المحيطة به تحاول الإمساك به،تهدئته.0لم يكن يبكى أوينتحب.كان كالمأخوذ،كانت عشرات.مئات.آلاف الصور التى شاركت عمره تندفع إلى رأسه وتهرب فى نفس اللحظة.لم يستطع الإمساك بهاوالسيطرة عليها.كان يود أن يقبض عليها بصدره،يرتمى فيها بجوار أمه.الجثة التى يسيجها البعض.لم يستطع،لم يعد يرى وجه أمه،وجوه الناس،الصورة الهلامية،لم يعد يرى سوى رأس بيضاء الشعر ووجه متضخم الملامح. تحقق من تلك الملامح فوجدها تشبهها تماما ، فزعق بأعلى الصوت الذى لم يكن ليسمعه ،واندفع يضرب الطريق الموحل برجليه فى اتجاه معاكس للريح الشتوية الباردة،وأحيانا يلف معها،ويصفر لصفيرها.حتى صار.
نقطة
بعيدة
غائمة

الأربعاء، 16 يناير 2008

المناضلة بقبلاتها الساخنة على الطريقة البحرينية



أبقاك الله لأمة منتهكة

وأبقى قبلتك الباذخة لمنتهِك كبير
ومن حق كل نساء فلسطين والعراق وجنوب لبنان أن يتفاخرن بك أيتها البحرينية ال


سلمت وسلمت أم حملتك ببطنها

وسلمت ديار تستوطنيها

وأبقاك الله لأمتك مناضلة حرة بقبلات مشتعلة

يا إبنة البحرين العزيزة

الثلاثاء، 15 يناير 2008

فاطمة الزهراء فى أصيلة تبهجنا كعهدنا بها فى الرصد الواعى


ملتقى أصيلة الأول للقصة القصيرة



أجمل اللحظات هي تلك التي نعيشها بين أحضان الإبداع… الذي يشكل هوسا وهاجسا يجثم على أنفاسنا، هي لحظات تسقط سهوا من أعماق الذاكرة، تؤرخ لزمن يسرق مشاهده من يوميات ضائعة في زحمة الانشغالات اليومية.. هو جنون أبدي نتنفسه يوما بعد يوم، فهل هناك أجمل من لحظة عناق طويلة مع الكلمة… مع القصة القصيرة… أعترف بأن عشقي للإبداع هو الذي دفعني إلى اقتناص هذه الفرصة لمد جسور التواصل مع عشاق الكلمة الجميلة، و إلى تسجيل لحظات ستظل ذكرى غائرة في أعماق ذاكرة أصيلة الهادئة

.
كانت الساعة تشير إلى حوالي الخامسة مساءا و الشمس تلملم أشعتها عن فضاء هذه المدينة الساحرة، التي كانت على موعد مع حفل افتتاح “ملتقى أصيلة الأول للقصة القصيرة”، الذي نظمه كل من الصالون الأدبي و مجلة أجراس والمطعم الثقافي الأندلسي بأصيلة، تحت شعار: “الفضاء في القصة القصيرة”، الذي أعطى انطلاقته منسق الملتقى القاص صخر المهيف بكلمة ترحيبية بالجمهور الحاضر و المشاركين القادمين من شتى أرجاء المملكة، ثم أعطى الكلمة إلى الأساتذة مصطفى لغتيري عن الصالون الأدبي، سعيد بوكرامي عن مجلة أجراس، محمد الكلاف عن المطعم الثقافي الأندلسي، التي باركت هذه المبادرة الجميلة، ورحبت بالمشاركين الذين تكبدوا مشاق السفر من مختلف المدن المغربية، من أجل المساهمة في ” ملتقى أصيلة الأول للقصة القصيرة”.و قد توج هذا الحفل بنغمات عاشقة من الفنان و الملحن علي بنسعيد الذي أتحف الحضور بمعزوفات و موصولات غنائية، قبل أن ينتقلوا بأسماعهم إلى أحضان القصة عبر قراءات جميلة لمجموعة من الأقلام البارزة في مجال القصة تخللتها موصولات و معزوفات موسيقية للفنان علي بنسعيد، و قد شارك في الجلسة الأولى التي سيرها القاصان صخر المهيف و مصطفى لغتيري كل من الأساتذة: محمد الشايب ( ريح يوسف)، عبد الواحد كفيح ( نساء من زمن ولى)، محمد اشويكة( الوصية)، حسن البقالي ( آية)، حسن اليملاحي (سأعدل عن مثل هذه التفاهات)، عبد السلام الموذني (في حضرة موتي)، مليكة صراري (مخطوطات لمحو الطفولة)، سعيد جمال ( سندويش)، سناء شدال ( الرسالة)، مصطفى لغتيري( الإمبراطور). و على نغمات العود للفنان علي بن سعيد أعلن عن نهاية الجلسة الأولى من الملتقى، ليكون للكلمة الجميلة موعد آخر صبيحة يوم السبت 12 يناير 2008 على الساعة 11 صباحا، حيث سير الجلسة الثانية كل من القاص مصطفى لغتيري و الناقدة سعاد مسكين، هذه الجلسة التي عرفت توافد عدة أسماء في مجال القصة لم تكن مبرمجة من قبل، و التي أصرت على إضافة اسمها إلى هذا العرس القصصي الذي احتضنته أصيلة لأول مرة، فأتحفوا الحضور بقراءات قصصية مميزة عرفت مشاركة الأساتذة: السعدية باحدا ( قصيرة جدا)، صخر المهيف ( رجلان و امرأة)، سعيد بوكرامي ( المخلوق)، المهدي لعرج( النقطة التي تفيض الكأس، عز الدين الماعيزي( حب على طريقة الكبار، قصص طويلة جدا، لأنه جائع، بالثلثين)، محمد الكلاف ( بداية و نهاية)، المصطفى كليتي ( قبل الفطور بقليل)، خديجة موادي( سكر اسود)، أسمهان الزعيم ( الحقيبة)، حميد ركاطة ( امرأة من زمننا، هذيان، المسلسل العربي)، إسماعيل البويحياوي ( وجبة سريعة جدا، تحرير، حكاية جدي شهريار، أمومة)، عبد السلام الجباري ( زفزاف)، محمود مفتوح ( حب بيزنطي، البحث عن المسدس، ضربة نبيذ)، عبد السلام بلقايد ( خيول مجنحة ترعى في حدائق معلقة)، البشير الأزمي ( حداثة، حرف الدال)، نجيب كعواشي ( العصا)، محمد الجزار ( السي القجيري و مشتقاته)، و قد اختتمت هذه القراءات القصصية باستراحة مع الأستاذ عبد الإله فؤاد.

و من جو القصة إلى مجال الدراسة و النقد قام مجموعة من الأساتذة بإلقاء شهادات حول ” الفضاء في القصة القصيرة” الذي شكل شعار هذا الملتقى، و قد أشار أحمد شكر في شهادته إلى علاقة الأنا بالمكان باعتباره مركز السرد في القصة القصيرة، كما ربط بين المكان و الشخصيات الموجودة في القصة بعلاقات وطيدة، و في نفس السياق اعتبر القاص محمد ايت حنا الفضاء في القصة القصيرة هي الخطة التي ينهجها القاص في نصه بحيث يخلق عدة فضاءات تستوطنها شخصيات القصة، في حين أشارت القاصة مليكة صراري إلى أن الفضاء في القصة القصيرة يمكن أن يكون أضيق من ثقب الإبرة أو أوسع من البحر، أما القاص المهدي لعرج فقد تطرق إلى أهمية الفضاء في القصة القصيرة ( الشارع، المدينة،…) و في نفس الإطار تحدث القاص مصطفى لغتيري عن الفضاء باعتباره مكونا أساسيا في القصة القصيرة، إذ يتحدد حجم القصة بقصر الفضاء أو امتداده، كما اعتبر القاص عبد الواحد كفيح الفضاء عنصرا رئيسيا في القصة القصيرة، لأن الفضاء هو المكان الذي تتحرك فيه الأحداث و الشخصيات، و أن هناك الفضاء الرمزي و الواقعي و المتوهم، و قد سيرت هذه الجلسة الأستاذة سلمى براهمة عضو الصالون الأدبي.و كأي قصة لها بداية و نهاية كان لابد من اختتام لهذا الملتقى القصصي الذي استضافته أصيلة يومي 11 و 12 يناير 2008 بدار الشباب، بحفل توقيع لمجموعة من الإصدارات القصصية و الروائية، رواية “ما قيل همسا” لأسمهان الزعيم، “الضفة الأخرى” للبشيرالأزمي، “رجال و كلاب” لمصطفى لغتيري، “حب على طريقة الكبار” عز الدين الماعيزي، “عندما يطير الفلاسفة” لمحمد ايت حنا، “تحديق في الفراغ” للمهدي لعرج، “الهنيهة الفقيرة” لسعيد بوكرامي، و إن كان “ملتقى أصيلة الأول للقصة القصيرة” قد اختتم بكلمة القاص مصطفى لغتيري، إلا أن النقاشات و جسور التواصل ظلت ممتدة لساعات طويلة بين أحضان المطعم الثقافي الأندلسي، بحيث قام المبدعون بورشة تعارفية شملت مختلف الأقلام المشاركة في هذا اللقاء القصصي، آملين بأن يكون هذا الملتقى مجرد تدشين لملتقيات أخرى ستحتضنها أصيلة خلال السنوات القادمة.

الاثنين، 7 يناير 2008

ياسلا اااااااااااا م

أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه
أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه
وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك
الشارع الواسع فاتح لي إيديه
(صلاح جاهين)

الاثنين، 31 ديسمبر 2007

من أوراق موت البنفسح القصة الثانية


موت المغنى
من شدة الأسى


(إلى.ابني ماجد الذى يرمى ببصيرته فى قلب الرحلة،والوجه،والتضاريس.حين كان يحلم برحلة فى عيون الأشياء)



افتتاحية ثابتة وهائجة

(لن تنالى منى الرضا ولن ترعشى فى القلب.ولن تسلبى دموعى الملتاعة أو تعيديها فى محاجر العيون..ياابنتى التى نزفت العمر فى اخضرار حملها وشوقها).



نفتح النوافذ عندما يأتينا صوته،وتتسرب الضوء الذى تفهق به لمبات الجاز إلى الحارة الشديدة الإنحدار فى الشارع الكبير.لا نتبين ملامحه ليلا،ونحفر فى سدود العتمة والسواد كى نتبينها.ننفذ إلى وجهه،ونرسمه فى خيالاتنا بصمت وجلال ورهبة ونحن وقوف أمامه،ويدخل صوته فى رؤوسنا النائمة على الوسائد أو فوق أذرع الأمهات المرتخية للنوم،نسال عنه الكبار،وتسافر أسئلتنا وعلامات الإستفهام المدهوشة مع الشمس التى تنام هناك كل ليلة فى الأفق البعيد حيث قريته بآخر حدود غيطان قريتنا.
تتجمع رغبتنا الطفولية،وتتكاثف مع كشف الستر وسبر الغور،ونخاف أن يفجعنا الليل بأن يرمينا فى مستنقع حقيقة نحدسها،ولكنا نطارد بخوف ليلى رغما عنا أشباحها،وفى تلك الليالى التى يشتد فيها السواد وتجتاح العتمة كل شئ نرقد فوق مضاجع الأساطير التى يقيمها الكبار،وفى الليالى التى يرمى القمر الأبيض المدور الضوء على البيوت والساحات،ويسقط ظل البيوت والجدران على شريط مستطيل من الحارات والأزقة ليبقى ممرا من الضوء.فنتبعه.متشابكى الأيدى،تنغمس أرواحنا فى ندائه الطرى المنقوع فى حزن قديم.قديم كأنه ولد معه،يدخل صوته من نافذة صغيرة فى قلوبنا ينام خلفها ميراث من حزن طرى وهو ينادى)حلاوة عسلية...تعالى ياصبية دوقى الحلاوة)
فى أيادينا كيزان الذرة.سرقناها أو أرغمنا الأمهات على الحصول عليها،بين قضتيه العامود الخشبي الرفيع الطويل الأملس المزيت،ينتهى بكوز من الصفيح به بعض الحصى فى إيقاع تنتظم به حوله،ونبحلق فى لفافة الحلاوة المطاطية اللزجة، تغشاها خيوط مطاطية ملونة ملفوفة معها حتى نهاية العامود.
كل الباعة الغرباء يطرقون حارات القرية نهارا إلا هو(عبده أبو حواية).رأسة المكبوسة بطاقية الصوف التى ينشع منها وسخ وعرق تحمل (سبتا)كبيرامكسوا بالخيش من داخله وخارجه،ينادى مرة على بضاعة(السبت):- بلدي ياليمون.يازرع الجناين ياليمون ،ومرة على الحلاوة العسلية،تحتاطة أيادينا ممدودة بكيزان الذرة أو القروش الصفراء،قلوبنا مشرعة اليه.إلى صوته المضخم بحزن.الحامل عذابات ترطب أشياء فى صدورنا..دائما ليالينا مملؤة بالسؤال،ننبش فى وعاء ما تحده قدراتنا الطفولية،تتداخل فى أشيائه،وتظل أسئلتنا التى هى بلا أجوبة حبيسة أدراج نومنا القلق.
نعرف أنه ينتهى من بيعه قبل أن ينتصف ليل بلدنا،ونعرف أنه يحمل سبته على ظهره مربوطا فى كتفيه، يقطع الجسور الرفيعة والسكك المتربة والسكك المبللة بين الغيطان حيث قريته بالضفة الأخرى للنهر،ولكن تظل أسئلتنا هى هى بدواخلنا،وأحيانا نسال الأمهات أو نسأل الكبار،لتظل هى هى نفس الأجوبة،وتبقى هى هى نفس الأسئلة.لانرتاح أو نطمئن لما نسمع،ويشق علينا أن لانسمعه،ونأسى ونحن نشاهد كل ليلة وجهه الأسيان الملئ بالتجاعيد والشعر القصير الخشن.
تربع الضوء الفضى ليلة شتوية على القرية،وكان هذا الضوء قد أفسح الكون كله للريح..سكتت السواقى المتناثرة فى الحقول حول القرية،وهبت الكائنات تهجع من مكامنها،وانزوت الكلاب فى الخرائب المهجورة التى يفضح القمر مابداخلها،وراحت تفعل فعلتها المعتادة تحت المطر والريح،ولم ننم نحن الصغار.كل منا يتابع فى داخله ويرى على الطرف الآخر رفاقه وهم يتجمعون حول مواقد النيران وسط الأخوة والأمهات والجدات،والآباء مع النارجيلات والشاي الثقيل الذى يعطى للرأس شيئا من التيقظ وللذهن بعضا من التوقد.
لكنا سمعناه وسط عويل الرياح والمطر،صوته كان صافيا كسماء القرية،واسعا كاتساع الحقول.لم نكن نحن الصغار من شده الصوت الصافي الأسيان..الجدات والأمهات أوقف الصوت حكاويهن المنقوع فى عبق الزمن.لم يكن ينادى على عسليته أو ليمونه،رافقناه فى حوارى القرية وأزقتها نهارا ،تنغرز أقدامنا فى وحل الدروب خلفه،وتلطخت جلابيبنا.
نحن نسكنه فى أدفئتنا، نحبه،ونتوحد فى حزنه الساكن ملامحه وصوته،وتابعناه وهو ياخذ طريقه مجتازا الحقول والسكك المبللة حيث النهر وضفته الأخرى قريته..كأنه الحلم الذى نستدفىء به ، وعن إير إرادة منا نطيل التحليق معه ، ولم نكن نصدق مايحدث.لكن أسئلة الغير بدت مكشوفة الآن وتبدأ دربابحقيقة كنا نحسدها، كنا نطارد بخوف ليلى أشباحها.كان ينادى هذه المرة بصوت منزعج متوال ساقط كأنه الثلج فى حجرات الدفء التى نرقد فيها.
عبده أبو حواية جزء من تكوين قريتنا.به تكتمل جزيئات الحياة فيها.لابد لكل سامع صوته فى تلك الأثناء أن يندهش. تساءل الآباء وردت ألسنة الرفاق جميعا، نعم تبعنا عند الغروب.كان يخلع خطواته من وحل الطرقات فى ألم.
إذن لماذا عاد؟
أصاخت الحارة الأسماع فاخترق نداؤه جدران القلوب،وألقى فيها الفزع ، ينادى ابنته حميدة وحيدته الباقة بعد موت الزوجة بفيجعتها فى ابنها الذى دهمه القطار الفرنساوى البليد تحت عجلاته الحديدية حين كان يتقافز بين عرباته وهو يحمل قراطيس الفول السودانى واللب الأسمر، حس القرية النائم فى أمن الليالى الباردة ينخلع لنزف الشجن من صوته الأسيان..
وحميدة كما أخبرتنا الجدات والأمهات نعلم أنها ممسوسة،وأنها تخاوى جنيا،وسؤال أخير يدور فى فراغ الرأس الذى يتسع ويضيق لأنزيم الأسئله الحائرة...
(يقولون فى قريتنا إن البدراوى يخاوى جنية،ولكن أن تخاوى امرأة أو فتاة جنيا فهذا مالم نسع به)
لم تتسع فضاءات رؤسنا لاستقبال دوامات لها طعم الفجيعة كتلك التى تبثها الأمهات.فحميدة ترافق لهونا الطفولى، تترك أباها فى تجواله اليومى بحارات القرية وتنسل وسطنا.نلعب(عسكر وحرامية)ودائما هى مفتونة بدور الحرامى،وأحيانا(عريس وعروسة)وتصر هى أن تكون العريس أبدا.تجمع أطراف ثوبها الدمورى المورد داخل تكة سروالها القطنى،تعقف شعرها الناعم الطويل المرمى خلف ظهرها بقطعة من التيل الرفيع،تحاور الجسد الأنثوى الطافح بتكورين أعلى الصدر،عجيزة مدملجة أسفل الظهر،يشق عليها ضحكنا لمرآها وهى تحاول كينونة عريس.
مرة لعب أحدنا دور العروس،وفى خبث ملفوف بشبق وضع يده فى يد عريسه حميدة وطوى أصبعه الوسط فى راحتها،وحين فرغنا من طقوس العرس الطفولى راح يرجمنا بالحجارة وكلمات حامية مشيرا علينا أن نبتعد عن منزل العريس الذى لم يكن سوى إحدى السقائف المهجورة بتل الخراب ،إنتهى إليها موكب الزفاف وراح يتحسس عريسه(حميدة) فى صدرها ومؤخرتها.لكنها أفاقت من افتتانها بالدور الذكورى،ولم نسمع حينها إلا صراخا وهياجا داخل السقيفة،وصاحبنا يخرج مفزوعا ينفر دما من رأسه.
ولا تستطيع فضاءات رؤوسنا استقبال رنات الأسى الطالعة فى نداءاته على حميدة ابنته.
نعرف توطنها الآن،وهو لا يعرف، نوقن أبدا أنه لايعرف فحميدة أخيرا صارت كثيرة النفور منا،عصبية المزاج،بارادة منها تضيف إلى عمرها سنوات تبرزها على ملامحها.تصدم بها تطلعاتنا البريئة إليها،هذا الألق والتوهج فى نظراتها يخيفنا،وارتعاشات الخوف ماأكثر أن تشدنا إليها،مشدودون إليها بفزع،نتابعها فى محاولاتها الأخيرة الإنفراد بحسان . أحدنا الذى كان يلاعبها مثلنا وهو صامت تدخل فى أعماقه كما نحن،ويدخل فى أعماقها كما نحن..لكنه لم يفرد لها قامة مشاغبة أبدا كغالبيتنا،وكأنه كان يختزن كل تساؤلاتنا. يكبرنا حسان عمرا،ويشاركنا براءة لهوا وحلما،نشعر بميل لا إرادى إليه.فنحن نعرف أنه وحيد فى دنيانا.بلا أب أوأم أو أخوة أو أهل...يرعى بهائم بعض البيوت فى موسم اخضرار البرسيم وتتكفل البيوت بطعامه ونومه،ولكنه نادرا ما يستمر لفترة موسمين فى بيت واحد.
فى الليالى المقمرةالتى كانت تتخلف فيها حميدة عن المجئ مع أبيها إلى قريتنا كان حسان يجلسنا على أكثر المصاطب الطينية شهرة فى القرية ويحكى لنا بصوت منقوع فى حزن موصول بسكون البيوت والحارات وصمت الليل والحقول.صوته يحمل عذابات قديمة لانقدر على تأريخها، نبراته كانت تحمل مفردات الغياب الموشوم فى ذكراتنا بالموت.لوعة الحكايات التى يبثها لنا،والتى تجعلنا نتكور حول أنفسنا فى استمتاع أسيان كأنا ورثناه،لم يكن باستطاعتنا الإفلات من أسر حكاويه.أو لم تكن لدى أحدنا رغبة فى ذلك.كأنا مرغمون على ألفته.حسان صار قلق الملامح فى الأيام الأخيرة، يجلس وسطنا مرتعش الكلمات والنظرات وكأن بحة مفاجئة قد لصقت بصوته، يتركنا بلا مقدمات وكأن لمسة جن أصابته وهو جالس بيننا،ويهل علينا دون توقع وبعد نفاذ صبر وانعدام أمل فى مجيئه،ولم نكن بهذا القدر من الغفلة التى تنسل من عالمنادروب ومسالك لم نطرقها ولم نلحظها أو نتابعها.
وتابعنا حسان وحميدة كثيرا كثيرا،وكان بيننا مايشبه الوعد والعهد بعدم البوح بما نراه.لاندرى سرا لذلك.حينما فاجأناهما وهما متعانقان فى ظل إحدى الدور ذات ليلة،وحينما أخرجت له من جيب صغير فى قميصها الكالح بفعل العرق والوسخ لفة حلاوة عسلية من التى يبيعها أبوها خلسة.
كبرت حميدة،ولم نكن نرغب فى ذلك،وفاجأتنا،وانطوى حسان ، وصار بيننا ثقيل الظل على غير عادته،ولكنا نأسو له،ونذكر له حكاويه الأسيانة،ولم نكن نبوح للأمهات بذلك..الكبار مشغولون عنا بما لايليق برأيهم أن ندركه ونقتحم أبوابه يظل عالمنا الأخاذ هو عالمنا وحدنا.لاأحد يقربه ولا نحن باستطاعاتنا نقله إلى الاخرين.
تلف وتدور الأسئلة فى أوعية الإدراك الكامنة فى نفوسنا،وعبده أبو حواية مازال ينادى بصوته المبحوح،وببصره الكليل يقاوم عثرة الطرقات الموحلة،ونداؤه على حميدة يرعشنا،وحميدة يفزعنا حبها.فنحن نعرف توطنها الآن.نحن نعرف،وهو بالكاد يشك فىأنها قد استهواها اللعب معنا ففضلت التخلف عنه ،عاد يبحث عنها.لم تعد وكذبت عليه.نعم كذبت عليه كنا نعرف.
نعم كنا نعرف..ففي عصر هذا اليوم ونذر المطر تلوح فى الأفق،أشارت عليه أنها ستعود إلى القرية قبل أن تفتح السماء مزاريبها على أن ينتهى هو من بضاعته الليمون الأخضر والحلاوة العسلية،ووافق،وودعته هى،وكان هناك عند رأس الطريق الطالع من القرية المسحوب وسط الغيطان والتى تنسل منه سكك متربة ومبللة تفضى إلى النهر وإلى ضفته الأخرىوقريتهم ، كان هناك حسان ، واتخذا طريقا معاكسا لرحلة الرواح والمجئ اليومية لها لأبيها.حيث تعلن هناك فى الأفق بعض البنايات العالية عن نفسها وعن موقع للمدينة.
كنا نعرف.
نعم كنا نعرف ، ونغلق الأفئدة والأبصارعن استبصار ما سيكون من شأنهما ، وما بعد رحلتهما إلى المدينة، وما زال الفكر يجهدنا فى كيف سيدخلان عالمها . هناك لن يكون قمر ولا ظل بيوت ولا مصطبة طينية ، ولا هجمات على غيطان الفول والباذنجان ، هناك لن يكون عسكر ولا حرامية ولا عريس ولا عروسة ، فماذا سيكون هناك إذن؟
كنا نرتعد من محاولة امتداد الرغبة فى استبصار ماسيكون من شأنهما . ظل الرجل يخلع صوته ويحدفه أمام الأبواب الموصدة ، والمطر يلسع السكون والدفء ، ونحن ننسل إليه مبللى الثياب ، يشعر كل منا بثقل ما يطويه داخل وعيه وصدره
نشد الألحفة نغطى بها الرؤوس فتتوهج وتحمر العيون لشدة الأرق ، وصوته مايزال يشمخ فى الوجدان .

<< خاتمة دسًت فى أرغفة الذكريات >>





انتظرناه فى صباحات كثيرة أن يعود إلى ليل قريتنا ، إلى أزقتها وحواريها نهارا ، وقد تكسرت حروف الأسئلة وشكل الإجابات فى دواخلنا . كنا عاقدين العزم على الإفضاء، فطعنة بالخنجر المحشور فى أعماقنا وقد تضخمت الأعماق حولها فى ألم صديدى ، لكنه لم يات.
وكنا نتوقع عودة حسان وحميدة ، وخيالات تفضحها الحكايات الليلية، تترسخ عن ملامح تلك العودة . لكنهما لم يعودا.
ويدق أسماعنا ذات نهار صوت مبحوح آخر لكنه متحشرج ، غريب على مسامعنا ، ينادى ( حلاوة عسلية )
ننسل إليه فى شغف ، صوت يحمل جسد آدمى غريب الوجه واليد واللسان ، لميكن هو ، وتطفح أسئلة جديدة للمرة الأولى .
سألناه عن عبده أبو حواية ، طاردناه بالأسئلة ، حاصرناه ، أرهقنا بدايته معنا . لكنه كان يتابع سيره وهو يزعق بصوته الذى يشبه ضربات فأس مثلومة فى شجرة جافة، وتسربت منه حقيقة ، لازالت تعذبنا حتى هذه اللحظة.



السبت، 29 ديسمبر 2007

رحاب الهندى فى حكايات الحب المعاصرة


حكايات حب معاصرة لرحاب الهندى




حب الكتروني!
إلتقيا عبر نافذة الحاسوب، إهتزت المشاعر، تدفقت الكلمات، رفرف الحب، تواعدا على أن يكونا واحداً.إرتبطت حياتهما بايقونة مضيئة تسبح في فضاء تحقيق أمنياتهما ولو عن بعد..قال لها: أحبك، وأجابته:أحبك، وكانت نافذة الدردشة عبر الحاسوب، شاهداً على حب عصري مختلف عن قصص الحب، فاللقاء عن بعد لم يمنع سريان المشاعر كالدم في الشرايين، إعترفا ببوح داخلي عن الماضي وحلما بمستقبل عجائبي.إختلفا، تصالحا.. وعادا لبث الشوق وكلمات الحب. في لحظة بوح وإستذكار الماضي قال لها: كانت حبيبتي..غضبت، صرخت، رفضت كلمة حبيبتي بحجة إن الكلمة من حقها فقط ولها مشروعية الغيرة حتى من ماضيه..أغلق النافذة غضبا وقال وداعاً، وإنهارت باكية.

حب وطبائع مختلفة!
وقف حائراً بين إحساسه بالحب والخوف من الوقوع فيه.إبتعد متردداً، إقترب، ثم أخيراً إعترف، توهجت وجنتاها وهي تهمس ضاحكة: أخيراً اعترفت لي. أنا أيضاً أحبك، سارا في طريق الحب خطوة خطوة، تعاهدا على ألا يفترقا لكنه فجأة إكتشف إن طبائعهما مختلفة. فهي تحب مالا يحبه، عصبية، عنيدة، صاخبة، وهو أكثر تسامحاً وأكثر هدوءاً، كيف له أن يعاشر إمرأة مثلها ويعيش حياته القادمة، إفترقا. عاش الكآبة والحيرة، تلفت حوله، إكتشف وجود إمرأة ثانية قريبة منه أحس تجاهها بالحب، وكان خائفاً، لكنه إعترف وإعترفت. تقابلا، تناقشا، إكتشف أنها مغرورة تبحث عن مصالحها توقف. أعلن عصيانه على الحب وعاث فساداً بين النساء!
قرار أقوى من الحب!
معاً إلتقيا تحت سماء نقاش يبدو بالنسبة إليهما متآلفاً متفقاً. وهذا ما جمعهما في طريق الحب فسارا فرحين وكانت الأحلام رصيدا يجمعانه للأيام المقبلة يستندان إليها لبناء مستقبل لهما.قال لها: أريدك زوجة للبيت والأولاد.أجابته/ وعملي.ضحك وهو يضمها: سأكون أنا والبيت والأولاد عملك الذي لا ينتهي.إنتفضت غضباً، أعلنت إ‘حتجاجها بقولها: أحب عملي جداً.سألها ممازحاً: أكثر مني وبلا مزاج أجابته: هناك فرق، أحبك رجل أحلامي.لكني أحب عملي أيضاً فهو جزء مني.صرخ غضباً: لا تعاندي، أريدك زوجة وربة بيت فقط.واجهته بنفس الصراخ هائجة، وأنا أريدكما معا أنت وعملي.أعلن غضبه، لا يعجبني هذا الموقف.صفقت باب علاقتهما وغادرت نهائياً!!
حب الخطيئة!
حين شهق متعة الإنتهاء من حالة اللقاء، إسترخي وهو يضمها لصدره مبتسماً قائلاًبحنو: أنت أكثر من رائعة، إختفت في صدره صامتة، وحين أحس بدموعها، شربها بشفتيه متسائلاً: لم كل هذا البكاء ألست سعيدة معي؟إبتسمت بألم متسائلة: سعيدة؟! وأنا أغرق معك في بحر الخطيئة! إنفجر غاضباً: هل نعيد الحديث كل مرة بهذا الموضوع؟أجهشت بالبكاء هامسة: أنت لا تشعر بعذابي.وإستمر غضبه: وأنت لا تقدرين ظروفي.تركها وإتجه للحمام ليغتسل، وحين عاد وجدها قد غادرت وبقايا دموعها على الوسادة!!
النساء من وجهة نظره متعة للجسد فقط.فلكل منهن مذاقها الخاص، وطعمها المختلف، وعقولهن غالباً ناقصة وتعسة، لا تفقه أمور الحياة..“النساء جميلات في هيجان السرير فقط”
.عقل وجسد !
هو كاتب مشهور بمقالاته التي تنادي بتحرر المرأة وبأحقيتها بالوقوف جانب الرجل لا وراءه، وحين يسأله المقربون.. لم لا تتزوج، يضحك ساخراً أعطوني إمرأة تفهم لأتزوجها! ورغم مواقفه الخفية للبعض كانت صورته الزاهية تجذب النساء فيقتربن إليه وكثيرات وصلن إلى سريره لمرة أو إثنتين ثم غادرهن بحجة إن الجسد لقاء ثانوي ووقتي ليس إلا.في غفلة من زمانه إلتقاها، إمرأة مختلفة بإيمانها لمعنى التحرر الحقيقي لا شعارات الزيف الذي تطليه وسأل نفسه: معقول أن أجد مثل هذه المرأة الرائعة شدته بثقافتها وأخلاقها وتصرفاتها، إعترف من داخله أنه أحبها وبجرأته طلبها للسرير، فطلبته للزواج، وحين وافق وإكتشفت حقيقته، تركته بعقلها غير آسفة!!.
*انوثه مبكرة !
لم تتجاوز الخامسة عشر لكنها متوثبة للحياة والحب تتباهى بأنوثتها المبكرة وهي تسير في الزقاق الذي يقع به بيتها تحاصرها عيون الشباب فترسم على وجهها ابتسامه دائمة مرسله نظراتها للجميع بلا استثناء قبل أن تدخل بيتها، بعد أن أنهت جولتها اليومية أغلقت باب بيتها وقبل أن تلقي العباءة عن كتفيها سمعت صراخا في الزقاق وحين أطلت من النافذة كان شباب الزقاق يتشاجرون فيما بينهم دون أن يعرف احد السبب أقفلت الشباك واستغرقت في ضحك متواصل!حين يخبو الجسد !
سألتها ابنه أختها العروس ما رأيك يا خالتي بفستان عرسي لمعت عيناها قائله فستان جميل على جسد أجمل، سيدوخ العريس حينا يراك به ضحكت العروس قائله انه دائخ دوما، ثم تابعت: يقولون أن جسد المرأة يتغير بعد الزواج ؟هزت الخالة رأسها بحسرة وأجابت كما لو أن أحدا لا يسمعها: نعم كل شيء يتغير بعد الزواج ثم مصمصت شفتيها وتابعت: هكذا يقولون ... لكن الجسد أيضا يتغير بلا زواج انه ينكمش ، وأطلقت ضحكه .كانت العروس منشغلة بفستانها فتابعت الخالة: يقولون أن الجسد يتورد بعد الزواج ويخبو بلا زواج...صمتت وهي تتأمل العرس المنشغلة بفستانها فخرجت من الغرفة وأطلقت من صدرها آه حسرة وهي تتمتم لنفسها: بغيظ كجسدي !
خائنات !
(كل النساء خائنات كاذبات كلهن بلا استثناء) كان يصرخ غاضبا بهذه الكلمات بوجه واحدة من حبيباته التي اعترفت له بأنها وافقت على خطوبه أحد أقربائها لأنها فقدت ثقتها بوعوده. جن جنونه كان حانقا على موقفها منتفضا لكرامته التي يظن إنها جرحت تابع صراخه: وأنا وحبنا ووعودنا ثم كيف تتزوجين غيري أم هل ستبقين حبيبتي ؟ ابتسمت بسخرية نظرت إليه بتحدي وقالت: بالتأكيد لا سأتزوج من اختارني له زوجه وقد أحبه أما أنت فلك أكثر من حبيبه كما اعترفت. أغلقت الباب وهي تسمع صراخه كاذبات خائنات!
لا للزواج !
كان دوما يحاول إقناعها :الزواج مقبرة الحب ستتكاثر المشاكل من كل صوب الأهل والأولاد والحالة الأقتصاديه والعمل وهموم الحياة فلا لا للزواج وما أحلى الحب، كانت تسكت على مضض وحين تفكر لتجيبه يسكتها بقبله طويلة. ثم يكمل كلامه همسا : لقد أحببتك لأنك مختلفة ولست متخلفة وسيبقى حبنا للأبد ثم ما الفرق بيننا وبين المتزوجين إلا إننا بلا مسؤولية وهذا سر سعادتنا وبين ترددها وعذابها أجابته: لكن ما نفعله خطيئة . ضحك معاتبا : أبدا يا حبيبتي انه جزءا من الحب ؟واستمرت حكايتهما طويلا تلتقيه كل أسبوع في مكان مختلف ينهلان من نبع حبهما ويغادران ،وكانت المفاجأة الصدمة حبيبها الذي لا يؤمن بالزواج متزوج منذ ثلاثة أعوام ولديه طفلان !
إنها فتاتي !
دق جرس المدرسة معلنا فسحه من الوقت للطلبة، خرج الطلبة يتقافزون مرحا وانتشروا في الساحة. فجأة انهال احمد بالضرب على فيصل الذي حاول أن يهرب فلم يفلح، في غرفه المديرة كان الاستجواب: لماذا تتشاجران ؟أجاب احمد بجرأة لقد تعدى على حقوقي. أثارت إجابته المشرفة الأجتماعيه فسألته: وما هي حقوقك يا أحمد؟ وبجرأة متزايدة أجاب: فيصل كتب اسم فتاتي على دفتره ، وبصوت واحد قالت مجموعه المدرسات المتواجدات : اسم فتاتك !؟بهدوء أجاب احمد : نعم كتب فيصل احبك يا حنان !ضجت المدرسات بالضحك الساخر حيث أن المدرسة ابتدائية مختلطة ! !

الجمعة، 28 ديسمبر 2007

من ظهيرة اليقظة .. الحلم هو الحقيقة


الحلم والحقيقة
فى دائرة الإمكان


((...يا أنت الذي أنا، ويا أنا التى أنت...ياحواء عشقى فى السكون الصاخب ويا آدم لوعتى فى الصخب الصامت...يا من بحجم نفسى وروحى وطول لهاثى ورغبتى...يامن بقدر قسوة الوجع ودغدغة البهجةوالفرح.)
***
فى تلك الساعة من كل عام ، ومياه المتوسط تصهل كجياد تتريةمحمومة فى رأسى ، والشراع الأبيض الصغير على رأس سارية باخرة ضخمة تحملك إلى بعد لا أستكنه دروبه يلطم وجهى ، ويسد منافذ الرؤية أمامى، فتقتحم صورتك الضبابية الداخل فى ، فتغيبين ، تغيبين ، وأظل أنا بقايا لطمة موج المتوسط على رأس صخرة بليدةصماء ، لا يبقى منك ، ولا يبقى منى سوى رسالة زرقاء. قلت لى أنك قمت على نسج حروفها وأنت مسهدة ، استعصى النوم على عينيك بعد منتصف ليلتنا الأخيرة بعد تفرق الأهل والصحاب والرفاق ، وقد تعبت يداك من كثرة الشد الوداعى ،وكنت قد أوصيتينى بقراءتها فى مساء اليوم التالى ، وكنت تعرفين أنى سأعود وحيدا.
كنت قد ألمحت لى ونحن فى طريقنا من القاهرة إلى مدينة المتوسط المفتوحة على فكه القاسى ووجهه الفاقد أى تعبير حينها ، أنها قد تكون الرسالة الأولى والثانية والثالثة والألف والأخيرة . قد تكون رسالة كل يوم .. فاقرأها دوما . ستكون ملح أيامك وأرصفة تلقى عليها حقائب إجهادك وأمتعة حزنك، ستكون دكاكين تبتاع منها كل صباح زخم التواصل والمكابدة الأليفة الطيبة التى تبدع بلازما غدك .
أتذكر ملايين الأشياء . صغيرة وكبيرة ، تفاصيل التفاصيل فى تلك الساعة من كل عام ، والتى تدق عندها عقارب رحلة الزمن المشاكس دقات عنيفة نحاسية ، وأتوغل فى ثنايا رسالتك الزرقاء، وممتطيا حصان فرح وبهجة حين أتابع خطوات عقارب ساعة الحائط القديمةالمعلقة بالصالة الفسيحة لبيتنا ، والمطلة على بابه الكبير الذى ما يزال يحمل نقوشا من جمل متوترة لك وقد اعتدت على عدم استقرارى وانضباط مواعيدى .
لم تحمل رسالتك كل هذا الكم من الوقائع والأحداث ؟
ولماذا تقولين أنت كل شىء ، وتفكرين بكل ما مضى وما هو آت، ولم تتركى لى سوى الاجترار؟
لماذا كنت تقولين : أنه بقدر ما ستضجرك بوهيميتى بقد ما تتوحدين فيها ، وأنى بدونها فاقد للمعنى والأثر ، ؟
ولكن . ألا تدرين أنه بك كان كل ما يدعو إلى الإتساق والتناسق والانضباط؟
كنت أرى عدم التوازن والاختلال قائما فى كل مكان حولى ، وكنت قاسية وحادة كثيرا فى أحكامك . أنى أبصر أشياء لا وجود لها ، ولكن بغيابك صارت حدتك وقسوة انفعالاتك هى لسعات النار المقدسة التى تغير بوصلة انفلاتى، أصبحت أرى الأشياءحولى بمقاييس كنت تجتهدين أن نعيها وندركها ، ونقوم بها .
أستاذنا الشاب الذى كان يحاول تلقيننا فلسفة العبث التى غمرت الغرب ، وحملها هو فى أنسجته وهندامه وروحه ، والذى كان يعلن تقززه ويحاول تسطيح ثقتك ومقولاتك حين كنت تجاهرين بصوت أنثوى طرى واثق ، وبلغة قاسية جارحة: إذا تسلقت العناكب أرواحنا، وإذا استحالت أرواحنا إلى غرف مظلمة تطير فيها الخفافيش . فإن الحياة تصير عبثا وهراءا ولا جدوى.
أستاذنا هذا تزوج من طالبة بالسنة الثالثة.طويلة شقراء، خيوط حياتها تتجمع داخل دائرة واحدة من اللهو والتجمل المبالغ فيه حد النفور .
***
يا أنت الذي أنا،ويا أنا التى أنت
...
فى المشارق والمغارب لغة واحدة للقنوط...يتدجج أسانا بوجع يومي،تتسرب وتتواصل غرغارينا الإحباط إلى نفوسنا، ورسالتك الأبدية لم يعد بها هذا الوهج الساكن حروفها كما كنت تريدين أن يسكن نفسي بأن يكون فاتحة اشتهاء للضوء.كنت ترغبين لعمرى سنونوة جميلة،وكنت اقرأ حروفك ومر السخرية يحشرج لعاب حلقى ، فطفل صغير يحبو يلهو بنعال قديمة متناثرة على أرضية غرفة فقيرة إلا من مقعد قديم وطاولة مكدسة بأوراق بائسة ومشاجب معلق بها سروالين وأقمصة ثلاث فى طريقهم إلى الاهتراء، وزوجة راقدة بغرفة مجاورة نامت مبكرة كى تستيقظ مبكرة ، وبين الحين والآخر تئن فى فراشها من الإعياء والوحدة حين يضجرها الفكر ويوجعها الأرق .
فها أنا قد ترافقت بواحدة عرفتها أيام كنت أعد بحثا للماجستير عن تراجيديا عربية ،هي التى كانت تقوم بنسخه من مكتب الطباعة التى ما زالت تعمل به حتى أيامنا وقد مضى أعوام خمسة ، كيف كان بالإ مكان حكاية تفاصيل هذة الرفقة التى تنصحنى بها رسالتك ؟. لم تقم على نسخ بحثى بآلية ، بل توحدت بأنفاسه وهموم مايطرحه ، كانت تسلمنى الجزء المنسوخ وبه رؤيتها لما يحمله ،أظنها كانت عاشقة لترا جيديا عربية هى الأخرى ،كيف يكون بالإمكان أن أحكى لك عن دبيب السنوات الخمس ولا عنوان لك عندى سوى جرح غابر وانتظار سرابى كيف ؟.
أود أن أمر مرور الكرام على حكاية الرفقة البديلة التى نصحتنى بها رسالتك، ولكن كيف وأرجل نمل جارحة تدبو فى رأسى وخلايا جسدى منذ سنوات خمس؟
أذكرأنك أقمت الدنيا ولم تقعديها يوما حين انفصل صديقنا س عن صديقتنا ع بسبب من عدم التوافق الفكري والنفسي برغم أن كليهما من دراسي الفلسفة بنفس الجامعة وأن سخطك قد صب كله على صديقنا، وأنك قدمت مشابهة مرة ومؤلمة لهما بالغراب والعصفورة...حين استدار واعيا بظرفه ومعادلات واقعه واقعنا وأقاليم عمره ورافق أخرى تليق.
( ....... )
وضعت هلالين كبيرين حول الفقرات المدججة بالقسوة من رسالتك التي نصحتيني فيها بالبحث عن رفيقة بديلة يتوازى وقع أقدامها مع خطو عمري وحلمي .قرأت تلك الفقرت كثيرا وأنا واقف فى تلك المساحة بين ملامح زوجتي التي تذوى داخل مكابداتها اليومية من أجلى وطفلنا،وقد أعطت ظهرها لنسيج الحياة الاستهلاكية،شغلها الشاغل هو الانتصار لمحاولة فك رموز وطلاسم التنافر بين الحلم والواقع، وبين ملامحك،ويدك تنسل من يدي وأنت تركضين خلف واحد من أقاربك من أصحاب النفوذ للحصول على منحة دراسية خارج حدود الوطن، وكأن الوطن الحلم الذي رسمناه سويا بعرق القلب،وعمقناه سويا فى أنسجة أرواحنا قد استحال إلى صحراء يشتعل فيها القيظ،ورغم أنا كنا،وما زلنا فى قبضة حيوان خرافى شرس له أذرع ومخالب من الفزع والإحباط والقنوط والحصار والقهر والضغط والمكابدة، وقلت لى يومها:-إنه برحيلك خلف جدران الوطن يتحقق لك عدم المشاركة فى عرسه الدموى المزيف وأذكر أنى قلت لك ساعتها: إنك كالمستجير من الرمضاء بالنار
.
الحلم هو الحقيقة

قولتك التى أعيها وأنسج فيها خيوط رحلة أقوم عليها منذ سنوات خمس مع زوجتى الرفيقة البديلةكما أوعزت لى ،والتى لاأقوى على قص حكايتنا .لا أوقن لماذالا أقوى على قص حكايتنا؟ فهي مازالت حتى هذه اللحظة تنسج معي حلما يقوم داخل دائرة الممكن،وتقيم مملكة للفرح والندى والبراءة وسط خيام الظلمة والقتامة ورائحة العفن والغثاثة،وترعى ثمرتنا الوحيدة طفلنا للقادم والآتى.فهو نسجة من نسيج الحلم القائم داخل دائرة الممكن.
((...يا أنت الذي أنا،ويا أنا التى أنت...ياحواء عشقى فى السكون الصاخب ويا آدم لوعتى فى الصخب الصامت...يا من بحجم نفسى وروحى وطول لهاثى ورغبتى...يامن بقدر قسوة الوجع ودغدغة البهجةوالفرح...))
تلك الفقرات الموشومة فى ذاكرة وتضاريس رسالتك الوحيدة التى تركتها لى قبل رحيلك. لم يعد لها أثر بها بل أرى معانيها وما تلوح به يترعرع خضرة ونماء فى صحراء تسيجها زوجتى- الرفيقة البديلة –بأشجار من الإرادة والمثابرة والمكابدة أيضا، والحلم هو الحقيقة كما زعمت. أما زلت تذكرين..؟

علامة استفهام كبيرة

وأنا أعبر ممرا إلى ممرآخر طويل مغطى بسجادة حمراءباستطالته ، ينتهى إلى باب زجاجى نصفه الأعلى ومعدنى نصفه الأسفل ، وإشارة كتابية سوداءتوحى ولاشك إلى حجم من الرخاءوالمكانة والألق المحيط بك وبمقرك الجديدبعد عودتك من خارج الوطن، ولم أجدك.
أشار لى واحد من مساعدينك كما يبدو من لهجته أ نك تحضرين بعض المناظرات فى إحدى الجامعات ، فى قاعة شهدت لنا صولات وجولات فيما سبق.
تركت تلك الرسالة، وأنا لا أهدف أن تقيم تناقضا بينها وبين رسالتك الوحيدةالتى تركتيها لى قبل رحيلك إن كنت تذكرين عنها شيئا ..
ولكن...
هل تستطيع كلماتى أن تستحلب تذكرك بالحلم والحقيقة ودائرة الإمكان؟.
لا أدرى
ثم .. لا أشك

توقيع
أج

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2007

طرح الليل .. من قصص المرحلة الخضراء

طرح الليل
إلى صلاح المنسي قبل ثمان وثلاثين سنة








رغم كل شئ فأنا مازلت حائرا ، وحيرتي لابد أن أطردها وأزيحها بعيدا عن رأسي،ورأسي يصل ما فيها لقلبى وأنا جالس على مصطبة دكان حافظ الحلاق وسط العيال، والعيال كثيرون،وهم قليلون الليلة يجالسوننا،ولا أشعر كثيرا بهم . الا مندور وهو صاحبى الوحيد .لا نروح ننام فى بيوتنا آخر الليل الا ونهب مدفوعين بالشوق مرة أخرى،لنجلس كثيرا من الوقت وحدنا، تلعب فى رأسينا خيالات وخيالات،ومهجة بنت الشربينى أبو حلاة تحط فى حكاوينا المتخيلة،وهى أخرجهاأبوها من المدرسة.لم تكمل عاما سادسا معنا كغيرها،وهى تستلف منا كتابا وتردها بعد أن ترسم فيها عرائس وأشجارا وشمعات وورودا،والولد مندور قال الليلة إنها كانت تكتب له كلاما حلوا،وأنه رد عليها بكلام أحلى.قاله ولم يكتبه،وهى لم تعد تكتب له،هى عادة تقول ولا تكتب،وانا كنت أتعجب لما يختفي وأتعب من البحث عنه،وهو كان لايعرفنى بمكانه،وأمه لم تضربه،وأنا يهيأ لى ذلك،هى تحثه أن يعود دوما لدارهم ضاربا لا مضروبا.تحبه فاعلا لا مفعولا به أو فيه.هكذا أتصور دوما،وأمى تستدعى لى كل الشرور والأوبئةإن أنا جاهرتها بعصيان...تضربنى وتعضنى فى فخدى،ويؤلمنى ضربها وتحريضها أبى على.
هذا أنا،وهذاهو منذ زمن ولحد الآن أنا نقيضه،وهو ظلى وأنا ظله،هو صاحبى والعيال حوالينا يقتربون منا فى لعبنا ومشاجرتنا لما كنا نشن أو نفكر فى شن غارة ليلية بالكرابيج السودانى وأغصان خضراء رفيعةطويلة منزوعة من شجر الصفصاف على عيال حارة الجعافرة،ينضم الكل لنا لما كنا نتسلل فى قيلولات النهارات الصيفية لنلاعب عيال نفس الحارة الكرة التى كنا نصنعها من جوارب قديمة،كانوا يزاحموننا بالتأييد أو باللعب معنا،كان هو الذى يختار،ومن لم يصبه الاختيار يحتج ويعلو جعيره إن أنا تهاونت فى تأييد اختياره،وهو كان كذلك.
ولما عدنا للجلوس على مصطبة دكان حافظ الحلاق...كان القمر ينعس ورائحة التراب المبلل بالندى تملا خياشيمنا،وأنا صائم عن الكلام،يروح فى رأسى كلام كثير ويجئ،ومندور جالس القرفصاء،كوعه مغروزة فوق ركبتيه،وبالعصا التى بين أصابعه ينقر الأرض وشقاوة فى ملامحه وكلامه،وهو يدعك الوجع فى رأسى،وأنا وهو جالسان لوحدنا الليلة هذه لنقررأمرا خطيرا،هو رأسه ملآن بحاجات كثيرة علينا القيام بها،وأنا فى رأسى يدور وابور طحين قواديسه ضخمه وتكتكاته عالية،ودق داخل جبهتى كدق فأس فى مزود البهائم الصلب وهذه أول ليلة أسهر فيها مع العيال بعد انقطاع شهر كامل وسبع ليال كنت فيها نائماعلى ظهرى ليل نهار أشرب الينسون والبيض نصف المسلوق وعند كل آذان أمى تناولنى طاسة الخضة من الطاقة فوق رأسى وتسقينى مابها من ماء وهى تقربها من فمها وتقرأ عليها كلمات حفظتها من جدتى،وتقول جدتى عند كل آذان إن الروماتيزم الذى يأكل فى مفاصلها يمنعها من عمل ذلك بنفسهالى.
شهرا وسبع ليال ، والناس تروح وتجيئ يجلسون مع أبى يسترضونه ويرجونه أن يتراجع فى حق إبنه أنا. فنعيم مسكين غريب الأهل والديار،هو بلا أهل فى الصعيد هناك،وبلا ونس فى بلادنا،تلقفته الأيام والبلاد حتى استقر فى بلدنا منذ سنوات عند الأسطى بدران صاحب وابور الطحين وعامل التليفون الحكومى يرعى بهائمه وينظف الزريبة،وهو الذى طاردنى ليلا وقت صلاة التراويح فى الحارات وأمسك بى وداس على عظامى وبطنى بجزمته الميرى الثقيلة،ولما أحضروه ليتأسف لأبى قال:إن ابنك هو من رجمنى بالطوب ومعه العيال أصحابه.كل ليله فى المرواح والمجئ يسبوننى ويرجموننى بالطوب،وهل أنا إبليس؟ولما زهقت من أفعالهم جريت ورءهم قصد تخويفهم وإبنك سقط على الأرض،وسعدة بنت الجليلة لم تر شيئا،هى تهول من ا لأمور وتقول إنى دست على بطنه، هى لم تر شيئا،وأنا أعرف لماذا هى تفترى بالكلام على .
ولما كان نعيم يدخل دارنا فى صحبة الرجال يستسمحون أبى كانت أمى قد التقته عند الباب وضربته بالجزمة البلاستيك،وأابى نهرها وسب أباها وأمها وكاد يبطش بها لولا تدخل الرجال ، وأمى بكت ساعتها كثيرا،والأسطى بدران كان يسترضيها بإلحاح ولم ينفذ صبره،وكان يزورنا كل ليلة ويجلس مع أبى يتسامران،وكان يحضر معه الينسون والبيض لأمى لتسلقه نصف سليق لى حسب مشورات المسنات من نسوة حارتنا،وحمل معه مرة برتقالا وموزا حازت جدتى نصيبا كبيرا منه،وأنا كنت نائما فى الحجرة المقابلة أستمع أحاديثهم وأستسلم للذة الرقاد وأعرف خطيئتى وحجمها ولا أفصح عنها ،ومندور لم يزرنى مرة واحدة،وأنا كنت أنتظر حضوره كل ليلة، ولما استجوبته أمه خوفا عليه من بطش نعيم الصعيدى قال عنى إنى من حرضتهم وسبقتهم برجمه فتوعدته أمه إن صاحبنى مرة ثانية،وشهر بطوله وأكثر لم ير واحد منا الآخر،والعيال تفرقوا وخافوا من صحبتنا، وقالوا إنها تجلب المصائب عليهم،والولد على ابن الصديق قال وهو فى صحبة أبيه لنا: ليست لنا دعوة إذا كان الفالح فينا قد وقع، والولد على لئيم جدا،وهو الذى كان قد شتم نعيم قبلنا ورددنا خلفه،ورجمه وتبعناه وهو مدسوس وسطنا على المصطبةأمام دكان حافظ،وبما أنه قصير ودافن رأسه بيننا فهو قد لمح نعيم يهرول ناحيتنا فانفلت يجرى نحو دارهم القريبة وتركنا نواجه جهامة نعيم وغضبته لوحدنا،وكانت يد نعيم لم تطل إلا أنا،وعرفت بعدها أن امرأة محمد أبو يوسف شاهدت هياج نعيم وأنا أسقط تحت رجليه وكانت بسطح دارها،وهى نزلت ودلقت الماء على وجهى،وسعدة بنت الجليلة هى التى رفعت عقيرتها بالصراخ والعويل وكان الموقف ساعتها تحكمه النسوة.لأن الرجال فى الجامع كانوا يصلون التراويح،ونعيم رفل عائدا إلى دار الأسطى بدران.
ولما اجتمعنا الليلة والناس تبحث عن حكاية ثانية تلوكها ألسنتهم.كانت الحكاية نفسها مرمية فى خزانة صدرى تناغشنى كل لحظة،وأنا مازلت حائرا،وحيرتى لابدأن أطردها،أزيحها بعيدا عن رأسى،ورأسى يصل مافيها لقلبى.
الولد مندور ينتفض بين لحظة وأخرى ويقوم يجرى لقدام خطوات ثم يعود أدراجه إلى المصطبة،هو لأول مرة يستفيض فى حديثه معى فى تلك الليلة،وهو لأول مرة يخشى أمه وهارب منها،وهو كان يطرد خوفه ويغرق فى وصف لحظاته مع البنت مهجة...وأنا وجدتنى مشدودا له كالماخوذ خلفه نتسحب إلى الحارة،ولما تجاوزنا دار زهرة أم مالك وزام كلبها وقفنا على أمشاطنا نساند بعضنا.لو تقدمنا خطوة لاندفع خلفنا وكشف سترنا.هو هكذا ونحن اعتدناه،ولا مفرمن وقوفنا لحظات حتى يسكن وقد ينام، بعدها نواصل تسللنا فى الحارة والقمر يغطس خلف البيوت وينام،وظلمة مترجرجة تخبط عيوننا فتبربش الرموش ويرتعش جلد الصوت والعيون،والولد مندور قال وهو يلتصق بى.إنه سينادى على مهجة التى تنتظره من تحت شباكها.وستكون مستيقظة تحادث نفسها بما جرى اليوم،وستكون خائفة من أن تعرف أمها،اندفعت قطة من قدام بوز كلب زهرة أم مالك نحو فأر صغير سقط من حطب الذرة من السطح المجاورفازداد التصاقنا،وكنا ننقل الخطوات بتوجس ،ولما اجتزنا عتبة الدار المغلقة الباب إلى شباك فيها فى الجهة الثانية لها صدمتنا فزعة آدمى تدفعنا بخوف فسقطنا على مؤخرتينا ،ولمحناه وسط الفزع نحيلا،عمامته متكورة على رأسه.لا يحمل مثلها واحد من البلد،بعثرنا فى كل ناحية وهو يندفع وجزمته الميرى الثقيلة تطرق أرض الحارةفى ارتباك،وكان بأعلى رأسينا نافذة تنغلق على استحياء من الداخل وبحذر،وأنا كانت كل الأشياء غائمة أمامى وأعدو خلف الولد مندور الذى يصيح بصوت لم نكد نسمعه..ح ح.رااامى ياعم الشربينى ...ن...ن عي ي م. رااااامى
ولأن عند فوهة الحارة كانت صورته المندفعةقد تاهت فاختفى وقع قدميه بعيدا.

أوغل بعيييييييييييييييدا .. إلى ...




أوغلَ بعيدًا ... إليَّ
------


د. سعيدة بنت خاطر الفارسى




ذاك الذي أعشبَ لغتي
ونامَ قريرًا على صفحاتِ الوجدِ
يتلو زنابقَ الروح ِ زُلفى .
ذاكَ الذي أنبتُ حدائقَ اللهِ
في محل ِ سنينه
وأسقيتـُه لبنَ الحروفِ
ذاكَ الذي أسكنتـُه مقلة َ التشوق ِ
وغنيته أغنية ًللمتعبين في دهاليز الوله.


ذاكَ الذي عممتـُه خيوط َ التألق ِ
أطعمتـُه حلوى الشموس ِ
أخفيتـُه كدعوةٍ ملفوفةٍ
في رؤى قلبٍ صفي .
ذاك الذي صليتـُه فرضًا
زكيته فرضًا ..
صوَّمتُ عظمي عليه..
وحجي القصي .
ذاك الذي ..
ذاك الذي..
ذاك الذيِّ ..

ما بالـُه يولي وجهَه شطرَ الغيابِ
يصلي صلاة التجافي ..
دونَ وضوءٍ جميل ٍ
يعطرُ دربَ السماءْ
ذاكَ البعيدُ القريبُ الموغلُ تيهًا إليّ
أركضْ كجري الأيائل ِ ..
حين تخضُها شهوة ُ القنص ِ
احتراقـًا يعضُكَ التعبُ
فإمِّا تلفظـُكَ المشارقُ والمغاربُ
استعدني .. وعُدْكَ.. إليّ
فأنىَ تولي..


فثمة َ نبضٌ تبقىَ سخي .
أركض .....
فثمة َ مغتسلٌ باردٌ وحميمٌ
يُفتـِّحُ ردهاتِ العفو النبيلْ .
خيولـُك متعبة ٌ في بيداءِ العنادِ
ولا واحة ٌ إلايَ تمدُّ أذرعة َ نخيلِها ظلا وفيّ .
فهل من محيص ٍ تؤوبُ إليه ..!!!
أرمي بشعثِ جنونِكَ حولي
أهدهدُ رعشتـَه فلا يخافُ رتقـًا
ولا تميدُّ الصحاري به من جديدْ

يا ذالكَ الهارب مني إليّ
يا دمائي الموغلات ِ في الرقص ِالبهي
تمهلْ .. !!
لا ترقص على سكاكين ِالذبح ِ
فلستَ نبيًا ولستَ الولي
مجراتُ بُعدِكَ قلبي .
أنا الجمرة ُ أنا الخمرة ُ
أنا امتزاجُ الليل ِ يغتبقُ دنانـَه ..
الفجرُ السني
إليكَ .. فاشربني لتنجو
من غمراتِ النسيان ِ

ومن سَكراتِ التيهِ ليبقى التورقُ
فيكَ اخضرارًا ..
وتبقى كرومُكَ خمرًا شهيًا وري .

----------



مسقط 5 / ديسمبر 2007 م

الخميس، 29 نوفمبر 2007

عن الموت وعنى .. من مجموعة ( من أوراق موت البنفسج )


عن الموت وعنى
أنا لا اكتب إلا وحزن قوى يدفعني
لماذا عن الموت،ولماذا عنى..ولماذا كل هذه الطيور السوداء المفزعة فى انحناءات الحروف،وفى حركة علامات الاستفهام..وهى تتلوى وتتماوج داخل الرأس والروح..؟!
***
عنه
لأنى الخارج منه،وهو الحاضر دوما.هو كيمياء روحي،وتراب الصيرورة ،ومسودة الحلم.
هو تلاشى الخوف،تدهوره تحت حوافره.هذا الحصان الجامح المشاكس،وهو الأخ الأكبروهو يراقب عمري برفق، يرعاني بعين ساهرة،يحصى ساعاتي وينظم حياتي .
وعنى
فى من انقطاع اللذة وزوال الحلم الذى يكبر ويشيخ وينحني ظهره بطرقات تراجيدية قدرية، حفار القبور يسند ذقنه فوق فأسه وجاروفه مقتعدا(المقطف)بحذاء فوهات قبور فاغرة الأفواه تنتظر القادمين،يشتعل خوفى منه فيتوهج شعورى بالحياة..
لا أخفى أنى أتوحد بحزن إيزيس وأعضاء أوزوريس الجنسية..حين مات انعدم خوفها وبدت حياة جديدة فيها لتبعث فى جسدها حياة من الموت.
لأنى الخارج منه،الهارب منه..ولدتنى أمى كرابع محاولة سبقتها محاولات ثلاث..كانت تسمى حملها حالة تكوينه داخلها،وقبل أن يحين موعد خروجه تسقطه ميتا، قالوا لها إن الثالثة لثابتة..لكنها كسابقتيها،وكنت الرابعة .خرجت منه،هربت منه ..لتقر عين الأم حزنا وفرحا،وليدخل موت أبى لحظة ولادتى..
وها أنا الفار منه...أحمله معى فى لفائف طفولتى ، فى أثوابى التى ضاقت وتهرأت،فى دفاترى، فى حزن بقرتنا الحلوب على رضيعها الذى بيع ردءا للحاجة،فى وداع من جارتنا تقيمه لإبنها الذاهب للجيش،فى قفة الخبز والأرز والبصل وثوب أمى الأسود الحامل بقايا طحين وهى تودعنى عند محطة القطار بطرف قريتنا لأول مرة أغادر للمدرسة بالمدينة البعيدة، بفزعة أم على طفلها الذى يعبر الشارع غير عابئ باندفاعات السيارات،بوداع صديقين حميمين جمعتهما غايات كثيرة وفرقت بينهما سبل كثيرة..
ولماذا عند الموت نتذكر أشياء صغيرة لم نكن نتذكرها ونلتفت إليها ،أحمله معى ملحوما بكل الأشياء الصغيرة والكبيرة التى اصطبغت به، تسربت رماديته إلى خلايا كل الأشياء حتى أحلام اليقظة...تلك التى تقيم توازنا داخل المرء..يستدعى بها طموحاته المسلوبة وانكساراته المستمرة فى الواقع،تأخذ فى داخلى وتعطى إيقاعا جديدا،.يتمثل ويتواصل ويندمج فى بلازما وجودى..عيناى مفتحتان،وفضاءات الراس الثقيلة المرمية على الوسادة واسعة وسحيقة،تتماوج الأحلام وتتملح بالدموع التى تملأ مقلتى..الصور المنقولة عبر أثير حكاوى الأم والجدة لأبى الصحيح الجسم والعافية والمسجى برداء أبيض جيرى وباهت..لم أر أمى مبتسمة مرة واحدة..سواد الثوب والشعر وغطاء الرأس وحبات العيون.انكسارات النظرات ويتمها الذى تموء به كلماتها الجنائزية أبدا.
فى يقظتي الحالمة.امرأتى التي تموت لوجع تحت السرة بعد كل مضاجعة.أو لهيمه قداس الموت فى لحظات المضاجعة.بذرة طفلي وضعت ودموعي تبلل وجه امرأتى..عشت قصة حب من طرف واحد عشرات المرات.لم أستحوذ على قلوبهن إلا بالدموع وبريق الحزن ومفردات الغياب والموت.أعرف أنهن جميعا يتوحدن بإيزيس مثلى فيها.ففي ميثولوجيتها.تكون الواحدة منهن قد تعلق قلبها لحد الوله بى،وتلك أعباء هائلة لم أكن لأوقن إنجازها.فأبكيها وأبكى.أبكى كى أتطهر...لكل واحدة قلت،وقصصت وقدمت حزنى ملفوفا طازجا شهيا لهن،كنت على عتباتهن جميعا أقول:(أخاف من موت يداهمنى،ولا أحرث لك أرضا أو أنبت لك زرعا) ، لم ألتق بواحدة لم تبك أبدا.بكين جميعا.ليس من أجلى.بل من أجل أحلامهن فى الظل،والواحة والستر(ظل رجل ولا ظل حيط).
لم تستحوذ على قلبى المكرس للموت سوى واحدةرسمتها فعلا وواقعا،ورسمت موتها يقينا.عانت عذاب الجسد والروح.عذاب السير فى مسافة بين الحلم والواقع..عذاب السير فى منعطفات خطرة..عذاب القهر وسلب الإرادة.عذاب السؤال عن مصير بشر ينشدون التوازن،وكانت رقيقة القلب...يخدش حياءها أن ترى صورتها فى المرآة وهى تتجمل للقاء الحبيب.عانت عذاب المواجهة مع واقع قدرى يدفع للقنوط واحتراق خلايا الإخضرار..فماتت فى سجن عربى معلوم الإسم والرسم.والهوية. فى غرفة توافد عليها كثيرون.، ولن تبارح صورتها عينى وأنا من خلف قضبان نافذة أودعها.
هو الموت إذن.الخارج منى.الخارج منه.الهارب منه الهارب منى لايهم..مايهم أنه حاضر أبدا..هو عادة ولا مبالاة.ولكن هل سيكون انعدام خوف هو؟
إبنى يقود أصحابه فى رحلة نيلية.إبنتى تعقف شعرها وهى تمشطه،وترفض مساعدة أمها..نومها الحنون على فخدى الجدة وقد كبرا،واحتمال الجدة المسنة ثقل رأسيهما حين يثقلهما النوم،وأسود هو الثوب وغطاء الرأس وحبات العيون، أما الشعرفلا..تيل حشن أبيض.لكنه يضئ الوجه الأسيان بوهج وإشعاع رطب.
زوجتى تجادل الزمن وتنثر على عتباته أن الغد مأمول..بدون علم منى تعرض حالتها على علماء وأطباء فى التناسل..بعد جراحة فى الرحم أفسدت هوايتها فى الإنجاب..فهى سليلة عائلة مخصبة ياماشاء الله..ذرية بعضها من بعض خالتها أنجبت بعد خمسة عشرة سنة من زواجها بمن تحب الغد مأمول،ومازالت تجادل الزمن زوجتى ، وطفلانا صارا شابا وفتاة.
حين كنت أراقب إبنى وهو يخربش بقلمه فى دفاتره خطوطا طويلة وعريضة ودوائر مغلقة تلتحم مع نهايات الخطوط..كنت أشعر بأسى يضئ دروبا ومسارب فى الزمن القادم..التمعت فى رأسى فرحة مباغتة حين بكت طفلتى لمرأى الدم وهو ينزف من جبهة أخيها الذى سقط من فوق سريرة حين كانا يتضاحكان..
فما هو مرادف الموت داخلى؟
هذا الحاضر ابدا؟
بالتأكيد ليس إلا انقطاع اللذة والاستمتاع بأشيائنا الصغيرة التى لم أكن أدركها لولاه..
طريف هو إذن
فأشياءنا الصغيرة البعيدة..صارت كبيرة قريبة..طفلاى كبرا..كبرا..إبنتى تكور صدرها، والتحم خجل من نوع آخر على ملامحها..منذ زمن وهى تستحى أن تخلع قمصانها وسراويلها أمام أمها
زوجتى الآن..فى هذه اللحظة..تقتحم الباب مهللة..بعد أن جادلت الزمن لسنوات..فرحة..مسرورة تعلن مقدم الغد ، قائلة بصوت به بحة محببة للروح:
ألم اقل لك إنه مأمول الغد؟.فثالث فى ا لأحشاء يتكون.
كنت أنا الغرق فى عرق بارد،والرأس ساقطة فى تجويف منتصف الوسادة الساخنة،.كانت تضع قبلتها التى لم أعهدها والتى لم أفطن إليها قبل
الغد مأمول.
وكانت غيمة رمادية تملأ عينى حين كنت ألمحها،وألمح من خلالها ضحكات وابتسامات خضراء...
***