ما أجمل الأنا لك يابغداد

ما أجمل الأنا لك يابغداد

الاثنين، 31 ديسمبر 2007

من أوراق موت البنفسح القصة الثانية


موت المغنى
من شدة الأسى


(إلى.ابني ماجد الذى يرمى ببصيرته فى قلب الرحلة،والوجه،والتضاريس.حين كان يحلم برحلة فى عيون الأشياء)



افتتاحية ثابتة وهائجة

(لن تنالى منى الرضا ولن ترعشى فى القلب.ولن تسلبى دموعى الملتاعة أو تعيديها فى محاجر العيون..ياابنتى التى نزفت العمر فى اخضرار حملها وشوقها).



نفتح النوافذ عندما يأتينا صوته،وتتسرب الضوء الذى تفهق به لمبات الجاز إلى الحارة الشديدة الإنحدار فى الشارع الكبير.لا نتبين ملامحه ليلا،ونحفر فى سدود العتمة والسواد كى نتبينها.ننفذ إلى وجهه،ونرسمه فى خيالاتنا بصمت وجلال ورهبة ونحن وقوف أمامه،ويدخل صوته فى رؤوسنا النائمة على الوسائد أو فوق أذرع الأمهات المرتخية للنوم،نسال عنه الكبار،وتسافر أسئلتنا وعلامات الإستفهام المدهوشة مع الشمس التى تنام هناك كل ليلة فى الأفق البعيد حيث قريته بآخر حدود غيطان قريتنا.
تتجمع رغبتنا الطفولية،وتتكاثف مع كشف الستر وسبر الغور،ونخاف أن يفجعنا الليل بأن يرمينا فى مستنقع حقيقة نحدسها،ولكنا نطارد بخوف ليلى رغما عنا أشباحها،وفى تلك الليالى التى يشتد فيها السواد وتجتاح العتمة كل شئ نرقد فوق مضاجع الأساطير التى يقيمها الكبار،وفى الليالى التى يرمى القمر الأبيض المدور الضوء على البيوت والساحات،ويسقط ظل البيوت والجدران على شريط مستطيل من الحارات والأزقة ليبقى ممرا من الضوء.فنتبعه.متشابكى الأيدى،تنغمس أرواحنا فى ندائه الطرى المنقوع فى حزن قديم.قديم كأنه ولد معه،يدخل صوته من نافذة صغيرة فى قلوبنا ينام خلفها ميراث من حزن طرى وهو ينادى)حلاوة عسلية...تعالى ياصبية دوقى الحلاوة)
فى أيادينا كيزان الذرة.سرقناها أو أرغمنا الأمهات على الحصول عليها،بين قضتيه العامود الخشبي الرفيع الطويل الأملس المزيت،ينتهى بكوز من الصفيح به بعض الحصى فى إيقاع تنتظم به حوله،ونبحلق فى لفافة الحلاوة المطاطية اللزجة، تغشاها خيوط مطاطية ملونة ملفوفة معها حتى نهاية العامود.
كل الباعة الغرباء يطرقون حارات القرية نهارا إلا هو(عبده أبو حواية).رأسة المكبوسة بطاقية الصوف التى ينشع منها وسخ وعرق تحمل (سبتا)كبيرامكسوا بالخيش من داخله وخارجه،ينادى مرة على بضاعة(السبت):- بلدي ياليمون.يازرع الجناين ياليمون ،ومرة على الحلاوة العسلية،تحتاطة أيادينا ممدودة بكيزان الذرة أو القروش الصفراء،قلوبنا مشرعة اليه.إلى صوته المضخم بحزن.الحامل عذابات ترطب أشياء فى صدورنا..دائما ليالينا مملؤة بالسؤال،ننبش فى وعاء ما تحده قدراتنا الطفولية،تتداخل فى أشيائه،وتظل أسئلتنا التى هى بلا أجوبة حبيسة أدراج نومنا القلق.
نعرف أنه ينتهى من بيعه قبل أن ينتصف ليل بلدنا،ونعرف أنه يحمل سبته على ظهره مربوطا فى كتفيه، يقطع الجسور الرفيعة والسكك المتربة والسكك المبللة بين الغيطان حيث قريته بالضفة الأخرى للنهر،ولكن تظل أسئلتنا هى هى بدواخلنا،وأحيانا نسال الأمهات أو نسأل الكبار،لتظل هى هى نفس الأجوبة،وتبقى هى هى نفس الأسئلة.لانرتاح أو نطمئن لما نسمع،ويشق علينا أن لانسمعه،ونأسى ونحن نشاهد كل ليلة وجهه الأسيان الملئ بالتجاعيد والشعر القصير الخشن.
تربع الضوء الفضى ليلة شتوية على القرية،وكان هذا الضوء قد أفسح الكون كله للريح..سكتت السواقى المتناثرة فى الحقول حول القرية،وهبت الكائنات تهجع من مكامنها،وانزوت الكلاب فى الخرائب المهجورة التى يفضح القمر مابداخلها،وراحت تفعل فعلتها المعتادة تحت المطر والريح،ولم ننم نحن الصغار.كل منا يتابع فى داخله ويرى على الطرف الآخر رفاقه وهم يتجمعون حول مواقد النيران وسط الأخوة والأمهات والجدات،والآباء مع النارجيلات والشاي الثقيل الذى يعطى للرأس شيئا من التيقظ وللذهن بعضا من التوقد.
لكنا سمعناه وسط عويل الرياح والمطر،صوته كان صافيا كسماء القرية،واسعا كاتساع الحقول.لم نكن نحن الصغار من شده الصوت الصافي الأسيان..الجدات والأمهات أوقف الصوت حكاويهن المنقوع فى عبق الزمن.لم يكن ينادى على عسليته أو ليمونه،رافقناه فى حوارى القرية وأزقتها نهارا ،تنغرز أقدامنا فى وحل الدروب خلفه،وتلطخت جلابيبنا.
نحن نسكنه فى أدفئتنا، نحبه،ونتوحد فى حزنه الساكن ملامحه وصوته،وتابعناه وهو ياخذ طريقه مجتازا الحقول والسكك المبللة حيث النهر وضفته الأخرى قريته..كأنه الحلم الذى نستدفىء به ، وعن إير إرادة منا نطيل التحليق معه ، ولم نكن نصدق مايحدث.لكن أسئلة الغير بدت مكشوفة الآن وتبدأ دربابحقيقة كنا نحسدها، كنا نطارد بخوف ليلى أشباحها.كان ينادى هذه المرة بصوت منزعج متوال ساقط كأنه الثلج فى حجرات الدفء التى نرقد فيها.
عبده أبو حواية جزء من تكوين قريتنا.به تكتمل جزيئات الحياة فيها.لابد لكل سامع صوته فى تلك الأثناء أن يندهش. تساءل الآباء وردت ألسنة الرفاق جميعا، نعم تبعنا عند الغروب.كان يخلع خطواته من وحل الطرقات فى ألم.
إذن لماذا عاد؟
أصاخت الحارة الأسماع فاخترق نداؤه جدران القلوب،وألقى فيها الفزع ، ينادى ابنته حميدة وحيدته الباقة بعد موت الزوجة بفيجعتها فى ابنها الذى دهمه القطار الفرنساوى البليد تحت عجلاته الحديدية حين كان يتقافز بين عرباته وهو يحمل قراطيس الفول السودانى واللب الأسمر، حس القرية النائم فى أمن الليالى الباردة ينخلع لنزف الشجن من صوته الأسيان..
وحميدة كما أخبرتنا الجدات والأمهات نعلم أنها ممسوسة،وأنها تخاوى جنيا،وسؤال أخير يدور فى فراغ الرأس الذى يتسع ويضيق لأنزيم الأسئله الحائرة...
(يقولون فى قريتنا إن البدراوى يخاوى جنية،ولكن أن تخاوى امرأة أو فتاة جنيا فهذا مالم نسع به)
لم تتسع فضاءات رؤسنا لاستقبال دوامات لها طعم الفجيعة كتلك التى تبثها الأمهات.فحميدة ترافق لهونا الطفولى، تترك أباها فى تجواله اليومى بحارات القرية وتنسل وسطنا.نلعب(عسكر وحرامية)ودائما هى مفتونة بدور الحرامى،وأحيانا(عريس وعروسة)وتصر هى أن تكون العريس أبدا.تجمع أطراف ثوبها الدمورى المورد داخل تكة سروالها القطنى،تعقف شعرها الناعم الطويل المرمى خلف ظهرها بقطعة من التيل الرفيع،تحاور الجسد الأنثوى الطافح بتكورين أعلى الصدر،عجيزة مدملجة أسفل الظهر،يشق عليها ضحكنا لمرآها وهى تحاول كينونة عريس.
مرة لعب أحدنا دور العروس،وفى خبث ملفوف بشبق وضع يده فى يد عريسه حميدة وطوى أصبعه الوسط فى راحتها،وحين فرغنا من طقوس العرس الطفولى راح يرجمنا بالحجارة وكلمات حامية مشيرا علينا أن نبتعد عن منزل العريس الذى لم يكن سوى إحدى السقائف المهجورة بتل الخراب ،إنتهى إليها موكب الزفاف وراح يتحسس عريسه(حميدة) فى صدرها ومؤخرتها.لكنها أفاقت من افتتانها بالدور الذكورى،ولم نسمع حينها إلا صراخا وهياجا داخل السقيفة،وصاحبنا يخرج مفزوعا ينفر دما من رأسه.
ولا تستطيع فضاءات رؤوسنا استقبال رنات الأسى الطالعة فى نداءاته على حميدة ابنته.
نعرف توطنها الآن،وهو لا يعرف، نوقن أبدا أنه لايعرف فحميدة أخيرا صارت كثيرة النفور منا،عصبية المزاج،بارادة منها تضيف إلى عمرها سنوات تبرزها على ملامحها.تصدم بها تطلعاتنا البريئة إليها،هذا الألق والتوهج فى نظراتها يخيفنا،وارتعاشات الخوف ماأكثر أن تشدنا إليها،مشدودون إليها بفزع،نتابعها فى محاولاتها الأخيرة الإنفراد بحسان . أحدنا الذى كان يلاعبها مثلنا وهو صامت تدخل فى أعماقه كما نحن،ويدخل فى أعماقها كما نحن..لكنه لم يفرد لها قامة مشاغبة أبدا كغالبيتنا،وكأنه كان يختزن كل تساؤلاتنا. يكبرنا حسان عمرا،ويشاركنا براءة لهوا وحلما،نشعر بميل لا إرادى إليه.فنحن نعرف أنه وحيد فى دنيانا.بلا أب أوأم أو أخوة أو أهل...يرعى بهائم بعض البيوت فى موسم اخضرار البرسيم وتتكفل البيوت بطعامه ونومه،ولكنه نادرا ما يستمر لفترة موسمين فى بيت واحد.
فى الليالى المقمرةالتى كانت تتخلف فيها حميدة عن المجئ مع أبيها إلى قريتنا كان حسان يجلسنا على أكثر المصاطب الطينية شهرة فى القرية ويحكى لنا بصوت منقوع فى حزن موصول بسكون البيوت والحارات وصمت الليل والحقول.صوته يحمل عذابات قديمة لانقدر على تأريخها، نبراته كانت تحمل مفردات الغياب الموشوم فى ذكراتنا بالموت.لوعة الحكايات التى يبثها لنا،والتى تجعلنا نتكور حول أنفسنا فى استمتاع أسيان كأنا ورثناه،لم يكن باستطاعتنا الإفلات من أسر حكاويه.أو لم تكن لدى أحدنا رغبة فى ذلك.كأنا مرغمون على ألفته.حسان صار قلق الملامح فى الأيام الأخيرة، يجلس وسطنا مرتعش الكلمات والنظرات وكأن بحة مفاجئة قد لصقت بصوته، يتركنا بلا مقدمات وكأن لمسة جن أصابته وهو جالس بيننا،ويهل علينا دون توقع وبعد نفاذ صبر وانعدام أمل فى مجيئه،ولم نكن بهذا القدر من الغفلة التى تنسل من عالمنادروب ومسالك لم نطرقها ولم نلحظها أو نتابعها.
وتابعنا حسان وحميدة كثيرا كثيرا،وكان بيننا مايشبه الوعد والعهد بعدم البوح بما نراه.لاندرى سرا لذلك.حينما فاجأناهما وهما متعانقان فى ظل إحدى الدور ذات ليلة،وحينما أخرجت له من جيب صغير فى قميصها الكالح بفعل العرق والوسخ لفة حلاوة عسلية من التى يبيعها أبوها خلسة.
كبرت حميدة،ولم نكن نرغب فى ذلك،وفاجأتنا،وانطوى حسان ، وصار بيننا ثقيل الظل على غير عادته،ولكنا نأسو له،ونذكر له حكاويه الأسيانة،ولم نكن نبوح للأمهات بذلك..الكبار مشغولون عنا بما لايليق برأيهم أن ندركه ونقتحم أبوابه يظل عالمنا الأخاذ هو عالمنا وحدنا.لاأحد يقربه ولا نحن باستطاعاتنا نقله إلى الاخرين.
تلف وتدور الأسئلة فى أوعية الإدراك الكامنة فى نفوسنا،وعبده أبو حواية مازال ينادى بصوته المبحوح،وببصره الكليل يقاوم عثرة الطرقات الموحلة،ونداؤه على حميدة يرعشنا،وحميدة يفزعنا حبها.فنحن نعرف توطنها الآن.نحن نعرف،وهو بالكاد يشك فىأنها قد استهواها اللعب معنا ففضلت التخلف عنه ،عاد يبحث عنها.لم تعد وكذبت عليه.نعم كذبت عليه كنا نعرف.
نعم كنا نعرف..ففي عصر هذا اليوم ونذر المطر تلوح فى الأفق،أشارت عليه أنها ستعود إلى القرية قبل أن تفتح السماء مزاريبها على أن ينتهى هو من بضاعته الليمون الأخضر والحلاوة العسلية،ووافق،وودعته هى،وكان هناك عند رأس الطريق الطالع من القرية المسحوب وسط الغيطان والتى تنسل منه سكك متربة ومبللة تفضى إلى النهر وإلى ضفته الأخرىوقريتهم ، كان هناك حسان ، واتخذا طريقا معاكسا لرحلة الرواح والمجئ اليومية لها لأبيها.حيث تعلن هناك فى الأفق بعض البنايات العالية عن نفسها وعن موقع للمدينة.
كنا نعرف.
نعم كنا نعرف ، ونغلق الأفئدة والأبصارعن استبصار ما سيكون من شأنهما ، وما بعد رحلتهما إلى المدينة، وما زال الفكر يجهدنا فى كيف سيدخلان عالمها . هناك لن يكون قمر ولا ظل بيوت ولا مصطبة طينية ، ولا هجمات على غيطان الفول والباذنجان ، هناك لن يكون عسكر ولا حرامية ولا عريس ولا عروسة ، فماذا سيكون هناك إذن؟
كنا نرتعد من محاولة امتداد الرغبة فى استبصار ماسيكون من شأنهما . ظل الرجل يخلع صوته ويحدفه أمام الأبواب الموصدة ، والمطر يلسع السكون والدفء ، ونحن ننسل إليه مبللى الثياب ، يشعر كل منا بثقل ما يطويه داخل وعيه وصدره
نشد الألحفة نغطى بها الرؤوس فتتوهج وتحمر العيون لشدة الأرق ، وصوته مايزال يشمخ فى الوجدان .

<< خاتمة دسًت فى أرغفة الذكريات >>





انتظرناه فى صباحات كثيرة أن يعود إلى ليل قريتنا ، إلى أزقتها وحواريها نهارا ، وقد تكسرت حروف الأسئلة وشكل الإجابات فى دواخلنا . كنا عاقدين العزم على الإفضاء، فطعنة بالخنجر المحشور فى أعماقنا وقد تضخمت الأعماق حولها فى ألم صديدى ، لكنه لم يات.
وكنا نتوقع عودة حسان وحميدة ، وخيالات تفضحها الحكايات الليلية، تترسخ عن ملامح تلك العودة . لكنهما لم يعودا.
ويدق أسماعنا ذات نهار صوت مبحوح آخر لكنه متحشرج ، غريب على مسامعنا ، ينادى ( حلاوة عسلية )
ننسل إليه فى شغف ، صوت يحمل جسد آدمى غريب الوجه واليد واللسان ، لميكن هو ، وتطفح أسئلة جديدة للمرة الأولى .
سألناه عن عبده أبو حواية ، طاردناه بالأسئلة ، حاصرناه ، أرهقنا بدايته معنا . لكنه كان يتابع سيره وهو يزعق بصوته الذى يشبه ضربات فأس مثلومة فى شجرة جافة، وتسربت منه حقيقة ، لازالت تعذبنا حتى هذه اللحظة.



ليست هناك تعليقات: