ما أجمل الأنا لك يابغداد

ما أجمل الأنا لك يابغداد

الجمعة، 20 يونيو 2008

من قصص - ظعيرة اليقظة -




استحواذ

ابراهيم جادالله


لظهيرة جافة ، وفراغ الباص الضيق خانق ،والملامح متغضنة متألمة ، والمناديل بللها العرق ولوثها غبار يكمش الوجوه وتضيق منه الأنفاس ، والمقاعد الجلدية العالية الظهر حتى مؤخرة الرؤوس ساخنة تلهب الظهور وتجعل الجلسات عليها قلقة متوترة ، وضجيج المركبات وصياح البشر بالخارج يدوى فى الرؤوس ويعض فى تجاويف الآذان ، وعشر دقائق باقية عن منتصف النهار . موعد انطلاق الباص من محطته ، ولم نخرج من حالة الحصار الجهنمى تلك إلا قيلا عند صعود عجوز معتل الصحة ممصوص الوجه اللامع السواد ، شاربه الأبيض الكثيف المنزلق على جانبى فمه لا يستقيم مع عظام وجهه البارزة وطول قامته النحيلة كعود عباد شمس جاف ، وعروق يديه النافرة التى تقبض إحداها على وريقات بحجم كف صغيرة ، وبالأخرى مكبر صوت أزرق بفوهته المستديرة، مسح وجهه بطرف كم جلباب ناصع بياضه ، لا يشوبه غير عمامة خضراء باهتة، لا تستوى أبدا مع نسق هندامه، مسح فراغ الباص الذى فوق الرؤوس بعينين ضيقتي الحدقات متعبتين دامعتين ، ضغط بسبابته المصفرة الطرف لكثرة ماضمت على الأصبع الوسطى من سجائر على زر أسود بمكبر الصوت الذى رفعه ليصير مقاربا لفتحة فمه المجوف بلا أسنان ، وقال بصوت عليل نفذ صرصوريا من حلقه: - ؛؛ سبحوا الله ..؛؛ ، وابتلع ريقه ، وطلع ونزل الحجاب الحاجز فى صدره، وأعاد مسح وجهه اللامع السواد بطرف كم جلبابه الناصع البياض ، وكرر : - ؛؛ سبحوا الله ؛؛ ثم عدل من وقفته وسط صفى مقاعد الباص ، ورفع يده التى تقبض على وريقات بحجم كف صغيرة ، وتتابع صوته بطيئا ممطوطا كالناهض توا من نعاس طويل : _ ؛؛ تبرع يامسلم لبناء بيت من بيوت الله .. بيوت الله تناديك ياغافل . ربك يناديك يامسلم . بيوتى فى الأرض المساجد وزوارى عمارها ، تبرع يا مسلم ، من بنى لله مسجدا بنى الله له قصرا بجنته ..؛؛.
راح يكرر النداء وهو يخطو بتؤدة فى الممشى الضيق بين صفى المقاعد الجلدية . بينما البعض منشغل بالعبث فى تذكرته أو قراءة صحيفة يومية أو مسح عرق الرقبة والوجه والصدر ، وأخرون منهمكون فى أحاديث خاصة أو بدء تعارف جاء مصادفة، وإصرار شاب بلباس عسكرىجذب انتباه فتاة حلوة الملامح .تكسو طيبةأليفة ملامحها ، تضع كفيها الرقيقتين فوق رصة كتب جامعية على ركبتيها ، ولما أنهى العجوز قطع الممشى ، استدار وليصير مكبر الصوت فوق الرؤوس من المؤخرة ، ومازال نداؤه متواليا بطيئا ممدودا ، وكان قد صعد بتلك اللحظة أعرج فى منتصف الأربعين من عمره ، تنغرز بين شفتيه سيجارة تآكل نصفها ، أثار انتباه صفى المقاعد بصوته الخشن الحاد، على زند يده اليسرى ترقد رصات كبيرة من مجلات شهيرة ، وبأصبع يده اليمنى يقبض على البعض منها ، وراح . يسبقه عرجه ، ينحنى يمينا ويسارا بين المقاعد ويلقى على أفخاذ الجالسين بواحدة منها وهو يجعر : _
؛؛ إقرا الشبكة . إقرأ . طلاق يسرى من فادى الصفدى .. ماجدة الخطيب خارج السجن ..إقرأ السينما .. إقرأ السينما والناس ، خناقة لوسى وفيفى عبده ..عادل إمام مطلوب حيا أو ميتا ، عادل إمام فى السفارة الإسرائيلية ، ثلاثة أعداد بجنيه واحد . أرخص تسلية وفائدة يا أستاذ ، الموضة والطبخ والأزياء يا مدام .. ثلاثة أعداد بجنيه واحد
ولما اقترب من العجوز الذى لم يتوقف نداؤه بالمؤخرة رفع له نظرة من أسفل إلى أعلى . مشاغبة مستهترة ، وقال : _ ؛؛ وسع كده شوية لو سمحت خللينا نشوف أكل عيشنا ؛ ، بينما العجوز غير مبال بتحرشاته ، فتجاوزه الأعرج حتى مقدمة الباص ، وأراح ظهره على مسند مقعد السائق ، وصفق بيديه إثارة للانتباه ، وحاول جاهدا أن يرتفع صوته فوق صوت مكبر الصوت بيد العجوز الذى بالمؤخرة : _ ؛ إسمع ياسيد ، إسمع يا محترم .. لا هنقول تلاتة بجنيه ولا أربعة بجنيه .. خمس مجلات بجنيه .. متعة وثقافة وتسلية وأخبار نجوم وفضايح المشاهير ومعلومات للطالب وست البيت .. بلاش كده .. فضايح النجوم دى تساوى ملايين ..بينما تقطب جبين العجوز ، وسعل سعلات جافة، ونشط حنجرته ، وتزايدت سرعة دفقه لكلماته لمناهضة جعير الأعرج. ؛؛ تبرع يامسلم .. خمس أعداد بجنيه ..بيوت الله تناديك ..متعة وتسلية وأخبار النجوم ..تبراع يامسلم .. متعة..تبرع.. ببلاش ؛؛ ، وانشغل ركاب الباص جميعهم عن ضيق الظهيرة الجافة الخانقة وضجر الإنتظار ، وتمايلت الرؤوس للأمام والخلف بين العجوز والأعرج وتداخل الصوتين وارتفاع حمى الاستحواذ.
والأعرج يرمى بقية سيجارته بعصبية ويدهسها بحذائه وقد تنمرت نظراته واحتكت أضراسه بشراسة تنبىء عن غضبات قادمة ، والعجوز يعلو ويهبط صدره ، شاحذا كل ما تبقى من عافية فى صوته فامتلأفراغ الباص من الأمام والخلف بالضجيج والغيظ والحنق والألم المكبوت الذى أفصح عن نفسه فى تحدى جلى وضوضاء الشارع والمركبات والبشروالشمس التى تلهب الأسفلت وتنفذ حرقتهامن نوافذ الباص ومن أسفله ومن سقفه وكآبة الانتظار ومكبرالصوت بيد العجوز الذى يدق رأس الأعرج فيدميه حين كان يأتى على ما تبقى من ثوب العجوز الناصع البياض ، بينما شاب بلباس عسكرى ما يزال مستغرقا فى محاولات لفت انتباه الفتاة الرائعة الملامح حين كان يأتى على ما تبقى من ثوب العجوز الناصع البياض ، بينما شاب بلباس عسكرى ما يزال مستغرقا فى محاولات لفت انتباه الفتاة الرائعة الملامح إليه ، والتى يكسو وجهها ألفة وطيبة ، وبينما مكبر صوت بالخارج وداخل محطة الباصات يعلن الآن موعد إقلاع الباص المتجه من القاهرة إلى المنصورة. موعد الثانية ظهرا.

ليست هناك تعليقات: